الحق يؤكد بأن العقل حجة في الاكتشاف بذاته . ذلك لأن من يعتقد دون ذلك يلزمه الامتناع عن قبول حجية العقل في إثبات وجود الله سبحانه وتعالى ، لأنه غير ثابت الحجية على وجه القطع . وتسلسل البحث والاستقراء المنطقي يرفض أن تكون الحجة حجة مشوشة ، باعتبار أن سلسلة أفكارنا برمتها ستصبح غير ذات أساس متين أو مطمئن . .
إننا نلجأ في إطار إثبات الخالق وإثبات مختلف الوجودات والقضايا الأخرى إلى أحد أسلوبين :
الأول : يكمن في توفير الحجج المنطقية التي تستمد شرعيتها وقوتها بالتسلسل من العقل .
والثاني : هو أقرب بكثير من الأسلوب الأول وهو أسلوب الاحتجاج بالعقل مباشرة ، وهذا الأسلوب نسميه الفطرة . فالفطرة بوسعها أن تدلنا على أن السماوات والأرض وبقية المخلوقات هي في ذاتها أشياء متحققة ، وأن تدلنا على أن الأشياء كلها تنتهي إلى وجود وماهية ، وأن الأصل هو الوجود وأن الماهية شيء طارئ . ولقد قدمنا في بعض ما سبق من موضوعات أن على الانسان أن يعود إلى وجدانه وان يستنطق ضميره ، وبالتالي أن يعود إلى عقله .
ثم إن العرف أو عرف العقلاء بما يمثل من أبعاد ، يشكل ما تقبله العقول مجتمعةً . فإذا كان الناس يتضاربون ويتناقضون في إطار الهوى والميول النفسية والمذاقات والتحسس ، فإنهم لا ريب في اجتماعهم على المعقولات ، نظراً إلى أن عقل الانسان هو هو منذ أول إنسان وضع قدمه على سطح الأرض حتى آخر إنسان يخرج من الدنيا عند قيام الساعة .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 270
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٠