هذا النوع من التفكير ، بل العكس والضد من ذلك هو الثابت عنهم - صلوات الله عليهم أجمعين - حيث تؤكد مأثوراتهم بأنّ الله تعالى هو القوي الكبير ، وأن الانسان هو العبد الضعيف الصغير ، وأن الفاصلة بين الجانبين كبيرة جداً .
ولكن مشكلة الانسان الخالدة انّه حينما يريد أن يتعدّى حدوده ويتجاوز عبوديته وضعفه وعجزه وحقارته لا يسلك الطريق القويم في ذلك ، بل يقع في أخطاء أسلافه مثل فرعون ونمرود وبقية الطغاة والجبابرة والمستكبرين في الأرض ، فيدعي الربوبية أو الاتحاد مع خالقه ، بدل الاعتراف بالعبودية لله عز وجل .
إن الانسان إنما يكون أقرب إلى خالقه ، حينما يسجد له ويعترف بالضعف والتقصير في جنب الله ضمن حالة الخشوع والجأر اليه .
ولعل الطريق الأقوم لمعرفة الخالق حق معرفته يكمن في طريق التسبيح والتقديس ، باعتبار أنّ التسبيح هو أرفع وأقدس ما يذكر به الله سبحانه وتعالى .
ولسنا نحن الوحيدين الذين نسبحُ الله ونقدسه ، فالكون كلّه مجبول على التسبيح لله الواحد الأحد بشهادة قوله عزّ من قائل : وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ( الاسراء / 44 ) ، وقوله تعالى : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( الحشر / 24 ) ، وقوله تعالى : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( الحديد / 1 ) . وقوله تعالى في معرض الحديث عن النبي داود عليه السلام : انَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ( ص / 18 ) .
وهذه المعاني تنتفي كلياً إذا ما اتحدّ المخلوق بخالقه ، إذ لمن سيسبح المخلوق ؟ وإنما التسبيح هو تقديس وتمجيد الخالق وتنزيهه عن التشبيه بخلقه .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 256
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٦