وتعالى كان قد خلق كل شيء ضمن هيئة مستقلة بميّزاتها وحدودها وبدئها وانتهائها وبكل ما يمتّ لها بصلة بصورة مباشرة ؟ ؟
وفي هذا الصدد تنقل كلمة عجيبة لابن سينا حيث يقول : لم يجعل الله ( المشمش ) مشمشاً وإنما خلقه كذلك . أي حينما خلق الله سبحانه ( المشمش ) خلقه مشمشاً ولم يخلقه مرتين ؛ مرة أتى به إلى الوجود ، ومرة أخرى أعطاه صبغة المشمشية - إن صحّ التعبير - وقد استوحى بعض المجبّرة من كلمة ابن سينا هذه القول بأنّ الله سبحانه وتعالى لم يجعل السعيد سعيداً أو الشقي شقيّاً ، وإنما خلقهما كذلك ؛ أي كان السعيد سعيداً والشقي شقياً في الماهية .
ولكن الفطرة والوجدان الانساني السليم لا يتصور مثل هذه المفارقة الغريبة ، بل إنه يدرك أن لكل شيء في الوجود تحقق مستقل في ذاته ، ويطلق على المسميات أسماءها المعرِّفة لها ، بحيث تتميز عن أضدادها وحتى عن شبيهاتها . .
نعم ؛ إنه حينما يريد جمع الأشياء مرةً واحدة فهو يلغي الفوراق ويطلق عليها تسمية واحدة ، فيقول : الوجود . . . الموجود . . . الكون ، كما إنه إذا أراد الغاء الفوارق بين إنسان وإنسان فهو يسمي كل الناس بكلمة الانسان ، وهذا بطبيعة الحال هو استخدام المفهوم الانتزاعي في التفاهم والتعبير ؛ لا أكثر ولا أقلّ . فالعقل رغم اعترافه بوجود الفوارق بين بني البشر ؛ إلّا أنه إذا أراد التعبير لا يسعه إلّا الالغاء ليسلم تعبيره من إدخال ما ليس من شأنه الدخول .
إن الموجود في ارض التحقق والواقع والوجود الملموس هو أنا وأنت وهو وهي . فنحن أُناس مختلفون في ميزاتنا من أفكار وتوجهات وابعاد ماضوية وحاضرة ومستقبلية ، ولكن الانسان - كإنسان - حينما يريد التعبير عن هذه
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 253
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٣