ولكنّ النظرية الاسلامية تقول بأن أساس الخلق وإن حصل فيه التفاوت ، إلا أن ذلك لا يعني جدلًا استمرار الطبيعة ذاتها في حركة الانسان ، وأنه ليس من الضروري أن لايرتقي الانسان مدارج العليين إن كانت طبيعته مغايرة لطبيعة العليين . فالله سبحانه وتعالى يخرج الخبيث من الطيب ، ويخرج الطيب من الخبيث .
إن من الممكن أن يتحول الانسان المخلوق من العليين عاصياً لربّه جلّ وعلا ، فيصبح في أسفل سافلين ؛ وذاك الذي خلق من سجين يمكنه أن يطيع ربه فيصبح في أعلى عليين . ولعل الكثير من الأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين هم أعرف بما يحتويه القرآن الكريم ؛ تشير إلى ما نذهب إليه إشارات واضحة ومباشرة ، حيث تركز سياقاتها العامة وتفاصيلها الدقيقة إلى ضرورة أن يطمح الانسان إلى السمو والرفعة نحو ملكوت ربّ العزّة . وإن هذه الأدعية كما هو مؤكد غير مختصة بطائفة دون أخرى ، وعلى ذلك فإنه ليس من العدالة الإلهية بشيء أن يحكم على أي مخلوق إنساني بتعاسة المستقبل لمجرد أن أصله من هذا النوع أو ذلك . وكذلك ليس من الحكمة بمكان أن يطمئن المرء إلى قداسة أصله - مثلًا - فيعمل ما يشاء في دنياه ، حتى أنه من الظلم أن يحكم على ولد الزنا - الذي هو في براءة تامّة عن معصية ( أبويه ) - بالقطع بأنه سيدخل النار . فقد خلق الله سبحانه وتعالى فيه كما في غيره من الناس قابلية مقاومة المفاسد والمعاصي ، رغم كونه قد ورث حبّ الشرّ عن أبويه أكثر من غيره من طاهري الأصل والنسب .
نعم ؛ إن الأبوين قد يكونا مقصرين بالفعل في تربية إبنهم ، وقد يكون المجتمع المحيط والظروف المحيطة عوامل ضغط حتى تكون القاعدة عند هذا الابن
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 239
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٩