الظاهر ؛ خاوية في الباطن ، فيقول إن مصدر حركة الانسان هو إرادته . فمثلًا هو يقوم بشرب الماء بإرادته ، إلا أنه لم يرد ذلك لو لم تكن هذه الإرادة نابعة أو مدفوعة بعوامل أخرى ؛ بمعنى أن ارادته مظهر لتلك العوامل ، فهو يشرب الماء لأنه أراد ، وهو أراد لأنه عطشان ، وهو عطشان لأن كبده قد أصبح حاراً ، وكبده أصبح حاراً لأنه مشى تحت حرارة الشمس منذ مدة ، وهو مشى لأنه أراد ذلك ، وهو أراد ذلك لعوامل خارجية أخرى ، حتى تتسلسل المراتب لتعود إلى أصل خلقته ، وبالتالي فهو يدور في حلقة ملؤها الجبر .
إنهم ينسبون الزنا - مثلًا - إلى الشهوة الجنسية ، وأن الشهوة الجنسية طبيعة خلقها الله داخل الانسان ، إذاً فهو مجبر على ارتكاب الزنا .
انهم ينسبون السرقة إلى الحاجة ، وأن الحاجة قضية فُطِر الانسان عليها من قبل الله تعالى ، وأن عدم سداد الحاجة يولد الفقر ، ولقد كاد الفقر أن يكون كفراً . . .
إن الإجابة على هذه الشبهة وما وضعوه لها من أمثلة ومصاديق يكمن في مسألة واحدة ، وهي حصول التفاوت بين الضغوط والدوافع التي تحرك الانسان وبين الإرادة الفاعلة التي تعتبر الأساس لكل عمل يقوم به الانسان ، علما أن الدوافع والعوامل الخارجية والظواهر الكونية واحدة في أنها لا تشكل العلة التامة لاعمال الانسان بل العلة هي إرادة الانسان واختياره لاغير .
إنك لا ترى كل من يعطش يشرب الماء حتما ، فمن أصيب بنزيف دموي يمتنع عن شرب الماء رغم شدة الحاجة اليه ، وهذا الصائم يمتنع ، وهذا المرتاض يمتنع
أيضاً فما السبب في ذلك ، ولماذا يكون باستطاعة هؤلاء أن يمتنعوا ؟ بينما انسان آخر قد يكون أقل عطشاً الا أنه لا يمتنع عن شرب الماء لأنه يريد ذلك .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 236
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٦