المظهر فقط ، فالجوهر في الحالتين متفق تماماً على ملازمة الهوى . فالمجبرة يقولون بأنّ الله أمرنا بأوامره ونهانا عن نواهيه ولكنه لم يعطنا القدرة على الالتزام بالأوامر والنواهي . والمفوضة يقولون بأن الله لم يأمرنا بشيء ، ولم ينهنا عن شيء ، بل فوّض الواقع الينا .
القدرية والمسؤولية :
وعلى ذلك لا يبدو أي فارق بين الطرفين والاتجاهين ، بل إنهما خطّان متوازيان ينتهيان إلى نقطة واحدة ، هي التملّص من تحمل المسؤوليات ، ولذلك فإن لعنة رسول الله صلى الله عليه وآله حقت على القدرية التي تشمل أهل الجبر وأهل التفويض في وقت واحد .
وإنما ضلّ فلاسفة البشر غير المهتدين بهدى الله وهدى رسالاته بسبب القول بالجبر ، وأكثر ما ضلّ البسطاء من الناس بسبب القول بالتفويض . ولأننا نناقش الفلاسفة في أحاديثنا ؛ فلابدّ أن نناقش الشبهات التي أوردوها في هذه المسألة .
إن من قال بالجبر يهدف إلى التحلل من مسؤولياته من دون شك . فهم لكي يقولوا بأن رسالات الله باطلة ، وأن الله أمر عبثاً ولم يأمرنا حقيقة ، وأنّ القرآن نوع من المزاح ، وأن الرسل نوع من اللعب واللهو ، وأن أقوال الرسالات السماوية نوع من الكلام الفارغ ؛ لكي يصلوا إلى هذه النتائج ثم ينتهوا بالتالي إلى نبذ الواجبات والأوامر والمناهي قالوا : بأن الله هو الذي يجبرنا على أعمالنا ، وأنه لا حول ولا قوة لنا فيما نمارسه من أفعال .
ونحن في مقابل ذلك ينبغي أن نقاوم هذه الفكرة بكلّ وعي وتحدٍ ؛ مرتين ؛ مرة باعتبارها فكرة خاطئة ، ومرة باعتبارها موافقة لهوى النفس الأمارة بالسوء ؛