وفي التأريخ البشري أمثلة عديدة تشهد على صدق هذه الحقيقة ، فهذا هو ابن نبي الله نوح عليه السلام الذي ناداه أبوه في خضم الطوفان والعذاب العظيم الذي أخذ بإحاطة الأرض برمتها ، قرر في لحظة واحدة خلق إرادة جديدة له ، بالرغم من تناقضها مع الواقع المشاهد آنذاك . فكان من المغرقين .
وهذه آسية بنت مزاحم زوجة فرعون ؛ المرأة التي لم يكن يعوزها شيء من النعيم والشهرة والقوة . . ولكنها استطاعت أن تخلق في نفسها الإرادة الحية القاضية بالاقتداء بنبي الله موسى عليه السلام .
وهذا عمر بن سعد قائد الجيش الأموي لقتال سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام ، الذي بات ليلته مسهدا متضارب الافكار والاختيارات . فهو كان على مطلق الحرية في انتقاء الخير من الشر ، إلا أنه في لحظة واحدة قرر قراره الحاسم بالقضاء على الحسين عليه السلام .
وفي قبالة ذلك كان الحر بن يزيد الرياحي ، هذا الرجل العظيم الذي اتخذ قراراً مخالفاً بالمرة لقرار عمر بن سعد . حيث غادر معسكر الباطل والتحق - بكل شجاعة - بمعسكر الإمام الحسين عليه السلام فالرجلان كانا يعرفان كل المعرفة عظمة الحسين عليه السلام ومنزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله وكانا يعرفان أيضاً فضاعة احتمال ما قد يقدمان عليه من جريمة شنعاء .
وهذا معاوية بن يزيد بن معاوية الذي كان يعيش في قلب الحكم الأموي ، والذي ورث السلطة من أبيه يقرر تسليم الحق إلى أصحابه وهم أهل بيت النبوة لقناعته
بعدم أحقيته في الخلافة . لقد أتخذ هذا القرار رغم الضغوط الهائلة المحيطة به . فقد كانت جدة أبيه هند آكلة الأكباد ، وكان جد أبيه أبو سفيان المعاند
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 228
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٨