تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
والفرق في ذلك يكمن في أن الحديث عن الله يعني الحديث عن غاية الفعل ، أما الحديث عن الانسان فهو حديث عن مبدئه . فالانسان حينما يرحم أحدا من الناس فإن فعله هذا يتحقق عبر مراحل معينة ، فهو ينظر إليه ثم يرى ما به من ضعف وعجز ، ثم يتألم له قلبه ، ثم تثور نفسه ، ثم يأخذ مقدارا من المال ويعطيه . وأنت حنيما ترى رجلا جريحا قد دهسته سيارة فإنك ترحمه وتنقذه وتسعفه وتذهب به إلى أقرب مستشفى ؛ أي أن مراحل فعلك تمثلت بالنظر إليه ، ثم بتأثر القلب ، ثم بهمة النفس ، ثم بالقرار والعزم على إنقاذه ، ثم حمله إلى المستشفى . فإذا قيل : فلان رحيم يعني أن ( الرحمة ) قد مرت عبر هذه المجموعة المتعاقبة من المراحل حتى تحققت . أما إذا قلنا : ( رحم الله فلاناً ) ، فإننا لا نعني أن الله قد نظر اليه بعينه ، فالله لا عين له . ولا نعني أن الله قد تأثر قلبه جراء هذا المنظر المفجع أو ذاك ، فالله لا قلب له . فالله ينظر من دون عين ، ويرحم الانسان من دون توجع قلب . فالانسان بحاجة إلى المراحل والمقدمات ليحصل في ذاته تحول متكامل ، اما الله جل جلاله فلا حاجة به إلى تحول . فمعنى أن الله رحم فلانا هو ان السيارة كادت تدهسه فنبّه السائق والسائق غيّر الاتجاه ولم يدهسه ، فالعمل نفسه الذي يقوم به الانسان الرحيم عبر الوسائل وبعد التحولات الذاتية يقوم به الله تعالى ولكن دون الحاجة إلى مقدمات ، وهذا معناه : " خذ الغايات واترك المبادئ " في إطار الحديث عن فعل الله تعالى . ولنضرب مثلًا آخر : حينما ننعت انساناً بأنه غضبان ، فنعني أن الدم تدفق إلى قلبه ، وان اعصابه تحركت وتشنجت ، وان عينه احمرت ، وأن أوداج رقبته برزت ؛