هو الزمن الواقف غير المتغير . أما إذا قيل لهم : كيف يمكن تصور زمن لا يجري ولا يتغير ولا تتحرك فيه ساعة صاحبه ؟ أجابوا بأن هذا الزمن هو زمن الآلهة ! !
ولا يخفى أن اليونانيين القدماء كانوا يعتقدون بتعدد الآلهة ، وكانوا يرون بأن لكل شيء إلها ، فللشمس إله وللقمر إله وللرياح إله وللحرب إله وللحب إله . . وكانوا يسمون هذه الآلهة برب الأنواع ؛ أي أن لكل نوع من أنواع الموجودات رب يدّبر شؤونه ، لذلك فهم كانوا يعبدون أكثر من إله . ولا تزال حتى الآن تماثيل آلهتهم وأصنامهم في معابدهم ومتاحفهم ، وباعتقادهم أن للآلهة زمناً مترسباً لا يتحرك ، فإنهم كانوا يعتقدون بان هذه الآلهة لا تتغير أيضاً .
وبعد ذلك ، وصل بهم الامر إلى القول بأن للإنسان أن يرتفع إلى مستوى الآلهة ، وذلك حسب طبيعة خلقة هذا الانسان ، أو بسبب انتخاب الآلهة نفسها له ؛ لما يقوم به من اعمال جبّارة تخرج عادة عن نطاق القدرة الطبيعية للناس .
وهناك نظرية أخرى مستوحاة من هذه النظريات تقول بأن الزمن إنما هو حركة جوهرية في مادة الأشياء . فالانسان له وجهان ؛ الأول : المادة التي هي عبارة عن الذرات المتكونة منها ، والثاني : صورته الخارجية التي نراها . فكل مادة من المواد سواء كانت جسماً إنسانياً أو حجراً صلداً أو نباتاً حيّاً ، أو حتى مواد السماء والأرض ، توجد في عمق وجودها حركة تسمى بالحركة الجوهرية .
وحاول بعض الفلاسفة شرح هذه النظرية بالإشارة إلى أن الزمن يتجسد في صورة المادة . فتراهم يقولون تارة بأن الزمن يمر على الانسان ، كما النهر يمر على السابح ، وقد تعلق بعض ذرات هذا الزمن بجسد الانسان ، كما تعلق بعض ذرات الماء بجسد السابح . وتارة أخرى يقولون بأن الإنسان هو الزمن بحد ذاته ، فالناس
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 189
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٩