تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أنه لا يقدر على انجازه ، وقد يكون قادراً على شيء إلا أنه لا يريد القيام به . أن الإرادة هي تلك الشعلة والومضة التي يبدعها الانسان ويحقق بها الأشياء . اذن ، فالسؤال المهم والمصيري في بحثنا هو : هل أن الله سبحانه وتعالى كان منذ القدم عالما بما سيخلقه وبما سيؤول إليه أمر الخلق من موت وجنة ونار ؟ أم كان جاهلًا ؟ ! والجواب : كان عالما بلا شك . فلو كان جاهلا به لاستلزم أن يكون محتاجاً لغيره لتحصيل العلم به . وهذا يعني أن علم الله لا يحتاج إلى علة ، إذ علم الله قديم ، وهو عين ذاته القدسية وهو علة سائر العلل . والأمر كذلك بالنسبة إلى قدرته الجبارة ، لأنه حينما شاء أن يخلق ، خلق الأشياء من دون استشارة أحد ومن دون مساعدة أحد ومن دون تعب " لا تأخذه سنة ولا نوم " ، وقد جاء في الحديث القدسي : " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق . . . " ( « 1 » ) فهل كان الله يريد أن يخلق الخلق منذ القدم ؟ كلا ؛ لأنه لو كان كذلك لخلقه منذ القدم ، إذ الإرادة تعني التنفيذ والقوة التي تصنع الأشياء ، وهي من مخلوقات الله ، فالله قد يريد ، أي يخلق الإرادة والمشيئة فتتعلق بشيء . إن الله تبارك وتعالى لم يقل كلمة " كن " منذ القدم ، لأنه لو كان قالها منذ القدم ، لكان الخلق قديما كذلك ، ولخلق الخلق مباشرة . إذا ؛ فالله عالم بصير قدير منذ القدم ، ولكن من قال إن الله مريد منذ القدم ؟ بلى ؛ إن الإرادة حادثة حيثما وكيفما ومتى ما يشاء رب العزة والجبروت .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار / ج 84 / ص 199 / رواية 6 .