البشر ، وأن صاحب الإرادة المعزولة لا بد وأن يكون متأثرا بصاحب إرادة مغايرة ، ولو لم يكن الأمر كذلك لوقع المستحيل في معرفة وتمييز الإرادات وتمييز القوي منها عن الضعيف .
ولكن مصطلح الإرادة حينما يستخدم للتعبير عن أمر الله وكلمته إنما يعني الفعل مباشرة ، إذ إن علمه مطلق ( ولا حدود له ) كما قدرته وحكمته ؛ وليس من المتصور أبداً أن يحجز الله أمر من الأمور دون إرادته وفعله ، وليس من المتصور أن يحجز فعل الإرادة الإلهية ندم أو إعادة حسابات ، لأن ذلك يستدعي افتراض طرف محدد - كإله ثان مثلًا - يعيق تصرفات الاله أو يشوش عليه علمه وفكره ، ويستدعي - أيضاً - حصول فوضى ووقوع ضحايا حسب رغبة الاله النابعة عن عدم مطلقية العلم والقدرة والعدالة في ذات الخالق . والله جل جلاله يقول في هذا الإطار : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون * لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( الانبياءِ / 22 - 23 ) ويقول تبارك وتعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ( الروم / 41 )
وفي هذه الآيات إشارة واضحة إلى أن تعدد الآلهة يوجب الفوضى ، والله كان قبل ذلك قد بين لنا في آياته الكريمة صفات الاله وما ينبغي أن يكون عليه من أحدية ووحدانية . ثم يشير الله أيضاً إلى أن مظاهر الفساد المشاهد من قبل الناس انما وقع من جانبهم هم ، لأنهم ليسوا متصفين بصفات الإله التي تشمل العدل والحكمة .
إن الله جل ثناؤه قدر في اللوح المحفوظ مصير الانسان ، في أية لحظة يولد ، ومن أي والدين ، وفي أي أرض ، وبأية حالة ، شقي أم سعيد ، غني أم فقير ، عالم أم
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 155
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٥