تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢

مراحل العلم :

ولكي نكتشف سر الخلق علينا أن نذكر مقدمتين : أولًا : إن العلم قد يسبق العمل . كما قد يسبق الوجود في كثير من الأحيان ، فالمرء يعلم أن الشمس ستشرق غداً في ساعة كذا من دون أدنى شك ، وهو متيقن بأن النار لو سلطت على النبات - مثلًا - فإنها ستحرقه . فالعلم هنا سبق المعلوم ، فعلًا كان أم وجوداً مجرداً . وقد يكون العكس هو الصحيح ، كأن يقع الحدث ثم يعقبه العلم . وفي بعض الأحيان يتقارن معه ، وقد يتوقف عنده في أحايين أخرى دون أدنى تفاوت . فالعلم هو العلم ، والله سبحانه وتعالى - كما بينا فيما سلف - كان عالماً غير معلوم ؛ كان يعلم بوجود الكون وماذا سيخلق ، كان يعلم سبحانه أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا هو لفسدتا ، وكان يعلم أن بعض الناس لوردوا إلى الأرض بعد يوم القيامة لعادوا إلى ما نهوا عنه . . . إنه يعلم ذلك بالرغم من أنه لم يحدث ولن يحدث . فالأرض والسماوات لم يكن فيهما إله غير الله ، وأن بعض الناس لم يردوا من النار إلى الدنيا ، ولكن علمه سبحانه سابق ومقارن ولاحق ، وعلمنا نحن بني البشر قد يكون كذلك . ولكن الفرق بين الحالتين أن علمنا مكتسب وعلم الله أزلي ، بل العلم هو ذات الله .

بين القدرة والإرادة :

ثانياً : لابد من التمييز بين القدرة والعلم من جهة وبين الإرادة ، فقد يعلم الانسان قانوناً ولكنه يحجم عن تطبيقه لأنه لا يريد ذلك ، وقد يريد شيئاً ولكن لا يعلم به . فالمرء يعلم أن الموت حق ولكنه لا يريده ، وقد يريد الموت ولكنه يجهل أين هو . ثم إنه ليس هناك تلازم حتمي بين القدرة والإرادة . فقد يريد الانسان شيئاً إلا
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 152 | السيد محمد تقي المدرسي