تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
جاهل ، كيف يعيش ، ومتى يموت ، وبأي سبب ، وفي أية أرض ، ثم قدر صورة عاقبته . . هذه الأحوال كلها مكتوبة في لوح الله المحفوظ ، ولكنها لا تعبر عن الإرادة ، بل هي مجرد تخطيط شامل لكافة جزئيات الحياة . وكما تقدم ، فان الله إذا قدر شيئاً لا يعني العجز عن تغيير ما قدر ، وهو قادر أيضا على أن يسلب العبد ما أعطاه وأن يعطيه مامنعه من قبل . وقد بحثنا مفهوم الآية الكريمة التي تقول : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ( المائدة / 64 ) فلو كانت إرادته بالانفاق قديمة لقضي الأمر ولم يكن بالله من حاجة إلى التأكيد بأن يديه لا تزالان مبسوطتين ؛ مع ملاحظة استخدام صيغة المضارع في كلمة الانفاق حيث قال : ينفق ولم يقل أنفق .

الله أعظم من أن يوصف :

وقد يسأل الانسان عن كيفية وماهية الإرادة الإلهية ، وكيف يخلق الله تعالى فعله ، وما هو لون الإرادة وصورتها ؟ ؟ في معرض الإجابة على ذلك ، اكتفي بالحديث عن المخلوق وعدم التحدث عن الخالق بهذا الخصوص . فالله سبحانه لا يقال له كيف وبأية صورة ، إذ هو المصور وليس المتصور . ومن يتوهم ويتخيل أن بإمكانه تحديد الذات الإلهية وأفعالها فهو في ضلال بعيد ، وهذا التوهم في التعمق سيدفعه إلى الكفر . وكنت قد أكدت من قبل أن أفضل الأذكار هو قول " سبحان الله " أي الاعتراف بعجز الذاكر عن معرفة ذات الله ، وفي لحظة الاعتراف يشرق الرب سبحانه وتعالى لعبده من أنواره المقدسة ما يعرفه بنفسه . فمن يتوهم الله يتحدى كبرياءه وعظمته ،