وذلك أن في ولاية والي الجائر دروس الحق كله ، وإحياء الباطل كله ، وإظهار الظلم والجور والفساد ، وابطال الكتب ، وقتل الأنبياء ، وهدم المساجد ، وتبديل سنة الله وشرائعه . . فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم ، والكسب معهم إلّا بجهة الضرورة ، نظير الضرورة إلى الدم والميتة " . « 1 »
وجاء في حديث آخر عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفر ( الإمام الباقر ) عليه السلام عن أعمالهم ، فقال لي : يا أبا محمد لا ، ولا مدة قلم . إن أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلّا أصابوا من دينه مثله . « 2 »
فإذاً الولاية للجائر بذاتها محرمة ، إلَّا إذا اقتضت الضرورة فتجوز ، مثل أن يكره الفرد عليها في ظروف الهدنة ، أو يرى الفقيه أن الانخراط في سلكهم ينفع الأمة ، فتجوز ، وعليها تحمل الأحاديث التالية :
عن زياد بن أبي سلمة قال : دخلت على أبي الحسن موسى ( الإمام الكاظم ) عليه السلام ، فقال لي : يا زياد ؛ إنك لتعمل عمل السلطان ؟ قال : قلت : أجل . قال لي : ولم ؟ قلت أنا رجل لي مروّة ، وعليَّ عيال ، وليس وراء ظهري شيء . فقال لي : يا زياد لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة أحبّ إليَّ من أن أتولى لأحد منهم عملًا ، أو أطأ بساط رجل منهم إلّا لماذا ؟ قلت : لا أدري جعلت فداك . قال : إلّا لتفريج كربة عن مؤمن ، أو فك أسره ، أو قضاء دينه . يا زياد ؛
إنّ أهون ما يصنع الله جلّ وعزّ بمن تولّى لهم عملًا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ " الله " من حساب الخلائق " الخلق " . يا زياد ؛ فإن ولّيت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك ، فواحدة بواحدة ، والله من وراء ذلك . يا زياد ؛ أيّما رجل منكم تولّى لأحد منهم عملًا ثم ساوى بينكم وبينه ، فقولوا له : أنت منتحل كذّاب . يا زياد ؛ إذا ذكرت مقدرتك على الناس ، فاذكر مقدرة الله عليك غداً ، ونفاد ما أتيت إليهم عنهم ، وبقاء ما أتيت إليهم عليك . « 3 »
وخالق اسم جبل حسبما جاء في تعليقة العلامة النجفي . والحديث واضح في بيان أن القاعدة الأولية حرمة الولاية للظالم ، وإنما الحلية استثناء . وجاء في حديث آخر عن إسماعيل بن
هامش
( 1 ) كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري قدس سره ، ج 1 ، ص 36 .
( 2 ) وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 129 ، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به ، ح 5 .
( 3 ) المصدر ، ص 140 ، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به ، ح 9 .