تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
وحكى عن بعض الفقهاء من متأخري المتأخرين التفصيل في أمر الولاية للجائر ، فإذا كان قبولها للرئاسة وجمع المال فممنوعة ، وإذا كان ذلك بهدف قضاء حوائج المؤمنين وفعل بعض الطاعات جازت ، حتى ولو كان دافع حب الرئاسة وجمع المال موجوداً لدى الشخص فهو من باب خلط العمل الصالح بالعمل السيئ . أما العلامة النجفي فقد حمل نصوص المنع من تولي الجائر على الولاية على المحرمات ، أو الممزوجة بالحرام والحلال . ونصوص الجواز على الولاية على المباح كجباية الخراج ونحوه . واعتبر جواز ذلك رأفة بحال المؤمنين ، ورفقاً للضيق والحرج في هذا الزمان ونحوه من أزمنة التقية . « 1 » والذي دعا الفقهاء إلى تبني آراء تفصل بين أنواع الولاية وظروفها المختلفة ، إنما هو اختلاف الروايات التي سنذكر بإذن الله سبحانه بعضاً منها . فمنهم من جعل إجازة الولاية للجائر أصلًا ، بينما جعل المنع منها بسبب اشتمالها على الحرام . ومنهم من جعل الحرمة أصلًا ، والإجازة للضرورة أو لتسهيل الأمر على الشيعة في ظروف التقية . . ويبدو لي أن علينا ردّ الروايات عند تشابهها واختلافها ؛ ردّها إلى محكمات القرآن المجيد والسنة الشريفة . وكتاب ربنا صرّح في حرمة التعاون على الإثم والعدوان ، وولاية الجائر بذاتها عدوان ، فكيف يجوز إعانته فيها ، وأية إعانة أكبر من الانخراط في أجهزته ؟ على اننا أمرنا بنص الذكر الحكيم بتجنب الطاغوت وحرمة التحاكم إليه ، فكيف يجوز تولي أموره ؟ وقد أفتى الفقهاء جميعاً ، ومنهم المحقق الحلي على حرمة التحاكم إلى الجائر ( الطاغوت ) ، وحكى العلامة النجفي الاجماع على ذلك ، بل واعتبره من كبائر الذنوب كما يأتي الحديث عنه إن شاء الله لاحقاً . فكيف يكون الأصل جواز الولاية لهم ؟ . . من هنا نرى أن الأصل هو حرمة تولي المناصب من قبل الجائر ، إلَّا لضرورة بالغة أو لظروف التقية . والدليل على ذلك أنه إعانة على ظلمه ، ومخالفة لاجتناب الطاغوت ، وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام حكمة هذه الحرمة الشديدة في الحديث المأثور عنه في كتاب تحف العقول . إذ بيّن أن الولاية ذات جهتين ؛ فولاية الحاكم العادل جائزة ، ثم قال : وأما وجه الحرام من الولاية ، فولاية الوالي الجائر ، وولاية ولاته والعمل لهم والكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم معذب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير ، لأن كل شيء من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام ، ج 8 ، ص 83 - 84 ، بتصرف منا في توضيح وتشذيب بعض العبارات .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 379 | السيد محمد تقي المدرسي