تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣

دال : الخوف من الطبيعة

الخوف حالة طبيعية وضرورية للدفاع عن النفس ، ولكنه إذا كان مصدره غير حقيقي فإنه يصد البشر عن التكامل . والخوف من الطبيعة واحد من أبرز مصدات التكامل ، وعقبات السمو . . إذاً تعال ندرس هذا الخوف ، ونعرف كيف نتحرر منه . حينما يكون مصدر الخوف الذي يعتري الإنسان حقيقياً ، ويبعث الفرد إلى بذل جهد من أجل الدفاع عن نفسه تجاهه ، يكون الخوف مشروعاً . فلقد خاف النبي موسى عليه السلام من بطش آل فرعون ، فهاجر إلى حيث الأمن ، وعبّر النبي يعقوب عليه السلام عن خوفه على يوسف من الذئب ، فحاول منع إخوته من اصطحابه ؛ والمرأة قد تخاف من زوجها نشوزاً أو إعراضاً ، فلا بأس عليها لو تنازلت عن بعض حقوقها صلحاً . أما إذا كان مصدر الخوف الجهل والجبن وينتهي إلى الاستسلام والانطواء على الذات ، فإنه لا يكون خوفاً حميداً . من هنا فإن الخوف يزول بالمعرفة والشجاعة ، والتوكل على الله ، والاستعانة به لمقاومته . 1 / مثلًا كان قوم النبي إبراهيم عليه السلام قد سقطوا في هاوية الشرك بالله ، خوفاً من ظواهر الطبيعة . . فإذا بهم عبدوا الكوكب والقمر والشمس ظناً منهم أنها مؤثرات حقيقية في أحوالهم . فأراد الله سبحانه أن يبدد خوفهم من الطبيعة ، ويسفّه شركهم بالله بسببه ، فإذا بإبراهيم عليه السلام يحاربهم ويقول للكوكب أنه ربه ، فإذا أفل يقول إنه لا يحب الأفلين . ويفعل مثل ذلك بالقمر ثم بالشمس ، حتى إذا أفلت أعلن حنفيته الطاهرة وايمانه الخالص بالله وحده . قال الله سبحانه ( حكاية عنه ) : ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا احِبُّ الافِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لاكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ انِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ( الانعام / 76 - 79 ) لقد تدرج النبي إبراهيم عليه السلام مع قومه الضالين في ثلاث مراتب ؛ ففي البداية ذكّرهم بفطرتهم التي لا تحب إلهاً آفلًا ، حيث إنه لا يمكن أن يكون الآفل مقدر الليل والنهار والمهيمن