والاجتهاد ، ويستمر في هذه الأماني التي يخدع نفسه بها إلى الأبد . كما كانت الحال عند اليهود ، الذين قالوا بأن الله لا يعذبهم إلَّا أياماً معدودة ( لأنهم أبناء الله وأحباؤه ) . وأخيراً ترى هؤلاء يتبعون الشيطان ، الذي يتولونه ، ويستولي على مشاعرهم . وهذه هي البصائر التي نستوحيها من قوله سبحانه : ( يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ( الحديد / 14 )
ومن هذه العاقبة السوئى يحذرنا الإمام علي عليه السلام ، حين يقول : " لا تجعلوا عِلمَكُم جهلًا ، ويقينَكُم شكّاً . إذا عَلِمْتُم فاعمَلُوا ، وإذا تيقّنتُم فأَقدِموا " . « 1 »
من هنا نقرء في الأدعية المأثورة الاستعاذة بالله سبحانه من تلك الأغلال التي يضعها الهوى في عنق البشر ، يقول الإمام الباقر عليه السلام : " اللهم إني أعوذ بك من الكسل والفشل ، والهم والجبن ، والبخل والغفلة ، والقسوة والمسكنة " . « 2 »
4 / وفي سورة الحديد كما في كثير من سور الذكر الحكيم ، آيات لو ألقى الإنسان سمعه لها ووعاها ، لتخلص من إصر الهوى وأغلال الشهوات بإذن الله ؛ لأنها تذكّرهُ بالله العظيم وبنعمة الجنة التي يدعوه إليها ، ويحرضه على التصدق والجهاد ، ويهوّن عليه شأن الدنيا التي ليست إلَّا متاع الغرور . يقول ربنا سبحانه : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الامَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضَاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) ( الحديد / 16 - 18 )
وجملة القول ؛ إن الله أنزل كتاباً يحيي القلب بإذن الله ، لو شاء صاحبه وسعى سعيه لأجله ، ويفك بذلك أغلاله ويتسامى إلى حيث النور . وقد أبلغ سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين عليه السلام في بيان هذه البصيرة عندما ناجى ربه قائلًا : " الهي ألبستني الخطايا ثوبَ مذلّتي ، وجلّلني التباعدُ منك لباسَ مسكنتي ، وأماتَ قلبي عظيمُ جنايتي ، فاحْيِه بتوبةٍ منك يا أملي وبُغيتي ، ويا سؤلي ومُنيتي " . « 3 »
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، قصار الحكم ، رقم 274 .
( 2 ) مفاتيح الجنان ، ص 359 .
( 3 ) مفاتيح الجنان ، مناجاة التائبين ، ص 118 .