على شؤون الإنسان ، مما يستدعيه صفة الربوبية . ثم ذكرهم بأن بزوغ القمر لا يكفي في إثبات الربوبية ما دام هو الآخر آفلًا ، وأن الرب هو الذي ينبغي أن يهدي المربوبين إلى معرفته . أوليس الرب يهيمن على شؤون مربوبيه ، أوليست الهداية منه ؟ وهكذا لا بد أن تأتي الحجة من عنده على معرفته ، والله سبحانه ( وليس القمر ) يدل على ذاته بذاته ويشهد على وحدانيته ، وأنه القائم بالقسط . وفي المرتبة الأخيرة أعلن النبي إبراهيم عليه السلام أنه بريء من شركهم ومما يشركون به ، وذلك حينما جاراهم في ربوبية الشمس ثم تحداهم عندما أفلت . وفي هذه اللحظة ذكرهم بفاطر السماوات والأرض ، الذي لم يتخذ شريكاً من خلقه . أوليس قد فطرهما وما يحتويان جميعاً ، فكيف يكون له منهما شريك وهم مخلوقون مربوبون مسخرون بأمره ، يطلع الطالع منهم بأمره سبحانه ، ويأفل بقهره تعالى عما يشركون ؟
2 / ولم يستجب قوم النبي إبراهيم عليه السلام لفطرتهم ، لأنها كانت محجوبة بالخوف من الظواهر الطبيعية التي قدسوها خشية منها على أنفسهم ، ولذلك تراهم يحذرونه بألّا يكفر بالشمس وبالقمر ولا بالكوكب . . لأنها قد تسبب له أذىً . أما النبي إبراهيم عليه السلام فقد تحداهم بأن الله أحق بالخشية مما خلقه . قال الله سبحانه : ( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلآَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) ( الانعام / 80 )
3 / وأخيراً ذكرهم بأن الذي يعيش في ظلال التوحيد ، ويأوي إلى ركن الحنفية ، هو الجدير بالأمن لا الذي يشرك بربه مالم ينزل به سلطاناً . قال الله سبحانه : ( وكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَايُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ اوْلئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ ) ( الانعام / 81 - 82 )
وهكذا نستوحي أن الدين الحنيف الذي لا يلبس بالشرك ، يقي الإنسان من خشية ما في الطبيعة من أشياء ، ويفك قيد هذا الأصر الثقيل من جوانح الإنسان ، حتى ينطلق قدماً في تسخير ما في الأرض . .
واليوم حيث يسخر الإنسان النار والحديد وسائر المعادن ، ويفتق الذرة ويهندس الجينات ، ويسبر غور المحيطات ، وينفذ في أقطار السماوات والأرض بإذن الله ؛ اليوم نعرف مدى أهمية نزع قيد الخوف من الطبيعة ، الذي أمر به الدين الاسلامي وهدى إليه كتاب الله الكريم . .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 324
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٤