وكان يشكو إلى ربه من النفس الأمارة بالسوء ، فيقول : " الهي إليكَ أشكو نفساً بالسوءِ أمارة ، وإلى الخطيئة مبادرة ، وبمعاصيك مولَعة ، ولِسَخَطك متعرّضةً ، تَسلكُ بي مسالك المهالك ، وتجعلني عندك أهون هالك ، كثيرة العلل ، طويلة الأمل إن مسّها الشرُّ تجزع ، وإن مسّها الخيرُ تمنع ، ميالةً إلى اللعبِ واللهو ، مملوّةً بالغفلة والسهوِ ، تُسرع بي إلى الحوبة ، وتُسوّفني التوبة " . « 1 »
هكذا يفك المؤمن أغلال نفسه بالاستجارة بالله منها ، وبالاستعانة به عليها ، وبالعزم على التوبة إلى الله ، تلك التوبة التي تطهر القلب من إصر الهوى ، وغل اللهو والسهو واللعب والغفلة ، والتعلل بالاعاذير والتربص والتسويف ، وبالهلع والجزع والبخل والمنع . . هذه الأغلال هي التي تتساقط بالتوبة ، ويتحرر القلب ، ويندفع الإنسان نحو الجد والاجتهاد والتعالي بإذن الله تعالى .
باء : الجبت
نفس البشر معقدة ، وهي قادرة على خداع الذات ، وهي أكثر شيء جدلًا وعقدة ، لها تخوم وتخوم . وبالكاد يستطيع الإنسان استكشاف نفسه ، فكيف بنفسية غيره ؟ ومن عقدها تغطية أهواءها الذاتية بالحميات ، التي يلبسها لباس القداسة والتقدير ، ويعبدها من دون الله . وقد يضع لها رموزاً وأسماءً وأصناماً ، فيحبها أشد من حب الله . ولعل ذلك معنى الجبت ، والتخلص منها شرط التحرر في رحاب التعالي . فما هو السبيل إلى ذلك ؟
علينا أن نعرف الجبت ومصاديقه ، ومن ثم نتخلص منه .
فالحسد والبخل ، وعصبية الأسرة ، واتباع الآباء ، وحمية العشيرة والتمسك بعادتها ، والعنصرية والتأثر بثقافتها ، والطبقية والتقيد بأفكارها ، والقومية والوطنية وطاعة رموزهما طاعة عمياء . . كل ذلك أغلال تقيد حركة البشر ، كما تحجب عقله وتمنعه من التفكير السليم .
وقد ذكر الإمام زين العابدين عليه السلام هذه الصفات ، واعتبرها ألواناً من الظلم الذي يرتكبه الفرد بحق الناس واستغفر الله منها ، وقال في بعض أدعيته : " وأسألك في مظالم عبادك عندي ، فأيُّما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه ، أو في عرضه ، أو في ماله ، أو في أهله وولده ، أو غيبة اغتبته بها ، أو تحامل عليه بميل أو هوى أو أنفة أو حمية أو رياء أو عصبية ، غائباً كان أو شاهداً ، وحياً كان أو ميتاً ، فقصرت يدي ، وضاق وسعي
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، مناجاة الشاكين ، ص 119 .