1 / ومن بين صفات الرب وأسمائه الحسنى التي تزيد قوة الإنسان وثقته بنفسه حب الله سبحانه للمتوكلين عليه ، حيث يقول تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) ( آل عمران / 159 )
2 / وان من توكل عليه فهو حسبه . قال الله تعالى : ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) ( الطلاق / 3 )
3 / إن قدرات البشر كبيرة ، لأنه بالإضافة إلى ذخائر القوة المادية والعلمية الهائلة التي أودعها الله سبحانه عنده ، والتي بها يسخر ما في الخليقة من أحياء أو أشياء ؛ بالإضافة إلى ذلك ، فإنه سبحانه قد وعده الاستجابة إذا دعاه ، وبذلك يسخر المزيد من الكائنات له بقدرته المهيمنة على كل شيء . ولكن الاستفادة من هذه الطاقات الهائلة جداً بحاجة إلى عزم وإرادة من عنده ، وهذا العزم بحاجة إلى اندفاع داخلي ، والى ارتفاع الموانع المحتملة . والمشكلة تكمن هنا بالذات ، حيث إن إبليس لا يدع ابن آدم يعقد العزم على تفجير طاقته ؛ أما بالوسوسة والتشكيك في إمكاناته ، وإما بإثارة الخوف من الانطلاق ، أو بالتسويف ، أو بما أشبه ذلك مما نفصل الحديث عنه إن شاء الله لاحقاً . . فكيف نتغلب على مكر الشيطان ، ونمضي قدماً في عقد العزم ؟
إنما بالتوكل ، ذلك لأن لحظة اتخاذ القرار لحظة حاسمة جداً ، حيث إن الشياطين تتراكم على القلب وتنفث فيه يمنة ويساراً ، وفي تلك اللحظة يؤدي التوكل على الله دور سفينة النجاة في بحر الوساوس . فلو اتصل القلب بنور الرب ، واستمد منه القوة والعزم ، ووثق بعونه ونصره ، وقال : ( ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلّا بالله ) ، تنقشع عن نفسه سحب الوساوس ، ويمضي قدماً في عزمه ، ويفجر طاقاته ، ويضيف إليها المزيد من الطاقة من فضل ربه .
تعال لنضرب مثلًا ؛ فرعون تسلط على بني إسرائيل واستضعفهم وقمعهم بكل وسيلة ، فجاءهم النبي موسى عليه السلام برسالة الخلاص . ولكن البلاء استمر ووصلوا إلى نقطة حرجة وكادوا ينهارون ، فماذا حصل ؟ يبين القرآن الكريم القصة بايجاز : ( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الارْضِ وَيَذَرَكَ وءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الارْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ( الأعراف / 127 - 128 )
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 317
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٧