تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وهكذا تتبلور فطرة الإنسان حينما يعرف نفسه ، والحكمة من خلقه ، وآفاق التقدم أمامه ، تلك التي لا تُحدّ بالدنيا ولا بالشؤون المادية ولا حتى بالجنة ، بل تصل إلى حيث النظر إلى وجه الله والجلوس في مقعد الصدق عنده والفوز بمناجاته .

باء : التوكل على الله سلم الطموح

وهذه النظرة الشامخة إلى الإنسان ، تتجلى حقاً عند الإنسان المؤمن بالله والعارف بأسمائه الحسنى ، والتي منها أنه هو البرّ الرحيم ، وأنه غافر الذنب ، قابل التوب ، ذي الطول ، وانه قريب إذا دعي ، مجيب إذا سئل . وكلّما ازداد المؤمن وعياً بأسماء الله سبحانه ، كلّما ازداد نعمة وطموحاً . أوليس العبد يعتز بربه الرحيم الحنّان ، الذي دعاه إلى فضله ورحمته ولم يقطع إحسانه إليه ولا لحظة واحدة ، بل دعاه أبداً ودائماً إلى الاستزادة من فضله ؟ وقد قال الإمام الحسين في دعائه الذي ناجى به ربه في يوم عرفة ، قال : " لقد خاب من رضي دونك بدلًا ، ولقد خسر من بغى عنك متحولًا ، كيف يُرجى سواك وأنت ما قَطعتَ الاحسان ، وكيف يُطلَبُ من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان . يا من أذاق أحبائهُ حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين ، ويا من ألبس أوليائهُ ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين " . « 1 » وهكذا يصول الإنسان المؤمن ويجول ، لا بحوله وقوته ، وإنما بحول الله العظيم وقوته القاهرة . وعندما يتطلع إلى قمة ، فهو يضع في حسابه ما يحصل عليه من فضل ربه وما يستدر من رحمته الواسعة . وبهذا يستطيل ويستطيل حتى يصبح مثلما يصفهم الإمام الحسين في رائعة من دعائه يوم عرفة : ( أنت الذي أشرقتَ الأنوار في قلوب أولياءك حتى عرفوك ووحّدوك ، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائُك حتى لم يُحبوا سواك ، ولم يلجئوا إلى غيرك . أنت المونس لهم حيث أوحشتهم العوالم ، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم ) . « 2 » إن سمو الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين إلى مستوى جعل الملائكة يعيشون العجب حتى باهى بهم ربهم ملائكته ، إن ذلك لدليل على مدى قابلية الإنسان إذا اتصل قلبه بنور ربه أن يسمو وأن يتعالى بفضل الله .
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، للمحدث القمي ، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة ، ص 273 . ( 2 ) المصدر .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 316 | السيد محمد تقي المدرسي