القسم الخامس : عيوب الرضا
لكي يتم الرضا عن العقد ، لا بد من تطابق النية مع الواقع . وعدم التطابق قد يكون كلياً بحيث لا يمكن تصحيح العقد أبداً ، وقد يكون جزئياً فيصح البيع بعد إكمال الرضا مجدداً . وهذا البحث يتناول ألف : تحديد المحل في العقود وتجنب الغرر والجهالة .
باء : بحث الخيارات ، حيث يختل الرضا جزئياً فتعطى فرصة للمتعاقد بفسح العقد إذا شاء ، أو الرضا به .
وعند بحث الخيارات نذكر أولًا : حقيقتها وجوهرها على إختلاف أنواعها ، وثانياً : كيف تسقط .
وبهذا يتم الحديث عن الفصل الأخير في هذه الدراسة بتوفيق الله سبحانه .
ألف : تجنب الغرر والجهالة
الأصل في العقود حرية المتعاقدين فيما يتراضيان عليه ، وقد قال الله سبحانه : ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) ( النساء / 29 ) ، فقد استثنى التجارة بالتراضي عن أكل الأموال بالباطل مما يهدينا إلى أن ذلك ليس باطلًا ، لأنه تجارة ( أخذ وعطاء ) من دون إكراه .
ولعل الفقهاء إستلهموا من هذه الآية قاعدتهم التي اعتمدوا عليها في المعاملات ، حيث قالوا : العقود تتبع القصود . وهي تساوي تقريباً القاعدة المعروفة عند خبراء القانوان ، والتي تقول : العقد شريعة المتعاقدين .
إلّا أن هناك أسباباً اجتماعية تدعو إلى ضبط العقود ؛ مثل المنع من الاختلاف ، وتسهيل الأمر على البسطاء من الناس ، وتحصين أموالهم من أن يخدعوا . . وهكذا وضع فقهاء الشريعة ، كما وضع خبراء القانون جملة من الأنظمة في حدود العقود ، ومنها منع الجهالة في الكيل والوزن . فكيف كان التراضي أصل للتجارة ثم يشترط الشرع أو القانون أنظمة تحدد التراضي ؟
قد يقال : إن هذه الأحكام والأنظمة هي أيضاً اختيارية ، فإذا قرر الطرفان التراضي فيما بينهما بطريقة خاصة ؛ مثل البيع جزافاً فهذا شأنهما ، أما إذا اعتمدا على العرف والفقه والقانون ، فإن هناك أنظمة معينة عليهما الالتزام بها .