وأما إذا لم يكن يقدر بمال كمن يهتدي بدعوة شخص إلى الدين القويم ، فإنه لا جهد المبلغ يقدر بمال عادة ولا إثراء المهتدي .
بلى ؛ الخطيب الذي يدعى إلى منبر ويتحمل تعب الوصول إلى المكان ثم الجهد في إلقاء المحاضرة ، يفتقر لحساب أصحاب المجلس الذين يستفيدون منه علماً وهدى . فالإثراء هنا بلا سبب ، ويستحق الخطيب منهم أجراً .
جيم : رأي الفقه في القاعدة
ما هو رأي الفقه في هذه القاعدة ؟ لكي نستوضح هذا الرأي نذكر النقاط التالية :
أ - إن الله سبحانه قد أمر بالعدل ، فقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان ) ( النّحل / 90 )
وأمر بالقسط ، فقال تعالى : ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ( الحجرات / 9 )
وإذا عرفت العقول ( والعرف الاجتماعي السليم ) إن هذا من العدل أو من القسط ، فعلينا اتباعه . ولا ريب إن إثراء شخص على حساب شخص آخر ، إنه ظلم وليس بعدل أو بقسط . ففي حدود حكم العقل ، بأنه ظلم لا بد أن نرفع الحيف ونعيد العدل . وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : ما رأيت نعمة موفورة إلّا وبجانبها حق مضيّع .
والمبدء العام في العقود ، هو المبدء المستفاد من قوله سبحانه : ( لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) ( البقرة / 279 )
وقد يعرف موضوع العدل والقسط وعدم الظلم من الأنظمة ، لأن حقوق الناس على بعضهم تخضع لمقاييس عرفية ، والأنظمة الحقوقية تعكس بنسبة معينة تلك المقاييس ، وقد استند القانون إلى مبدء العدالة حين قرر هذه القاعدة . يقول في ذلك الدكتور سنهوري : فهو ( الإثراء بلا سبب ) مصدر للالتزام مستقل قائم بذاته ، لا يستند إلى مصدر آخر ولا يتفرع عنه ، وإنما يقوم رأساً على قواعد العدالة والمنطق القانوني . « 1 »
ب : قاعدة الضرر التي منشؤها حديث مشهور عن النبي صلى الله عليه وآله : " لا ضرر ولا ضرار " يفسر آيات العدالة بوضوح . ومحتوى هذا الحديث ضرورة رفع الضرر أنى كان ، وإثراء
هامش
( 1 ) الوسيط ، ج 1 ، ص 1121 .