والخطر الذي يهدده به يجب أن يكون في مستوى العمل الذي يجبره عليه ؛ مثلًا لو هدده بهجره لو لم يبع بيته ، ولم يكن في هجره له كبير ضرر عليه ، فإنه لا يعتبر إكراهاً ، لأن بيع بيت السكن لا يقدم عليه الفرد بسهولة . بلى ؛ لو قال له إما أن تبيعني قلمك أو أهجرك ، وكان صديقاً عزيزاً عليه ، وكان لهجره له أذىً نفسياً له ، فقد يعتبر ذلك إكراهاً له عند العرف .
كذلك لا يسمى إكراهاً لو قال إما أن تتزوج ابنتي أو أتهمك بأنك معقد . فإن تقبل هذه التهمة أهون عليه من الابتلاء بزوجة لا يرتضيها .
وفي هذا السياق يقول الأستاذ الكبير الشيخ كاشف الغطاء : إن الأحوط مراعاة التعادل بين ما يخاف على الناس ، وبين ما يخافه على نفسه ، وإن كان الأقوى عدم وجوبها . « 1 »
ولكن العلامة النجفي جعل معيار الإكراه في كل مورد معياراً واحداً ، حيث قال : ليس هو ( الإكراه ) إلّا الإلزام والإلجاء من المتسلط الذي يخشى منه على النفس والمال والعرض أو أحدها على وجه لا يتحمل عادة . « 2 »
أقول : يبدو أن العرف شاهد إن الإكراه في كل مورد يختلف باعتبار ما يهدد به الظالم وما يأمر به . ومن هنا فقد نفوا الإكراه في الدماء ، وجاء في الحديث المشهور : لا تقاة في الدماء .
د - الإكراه للحق
وهنا سؤال : هل يجوز الإكراه للحق ؛ كأن يطالب الدائن المدين بالرهن ويهدده بأنه إن لم يفعل فإنه يقدمه للمحكمة ، فهل يبطل عقد الرهن لأنه قد أوقعه المدين تحت ضغط التهديد ؟
يقول العلامة النجفي : صرّح غير واحد بالصحة معه . « 3 »
ويرى القانون أيضاً ذلك ، حيث يقول د . السنهوري : إذا كانت الوسائل مشروعة في ذاتها ويراد به الوصول إلى غرض مشروع ، بأن يضغط شخص على إرادة شخص آخر من طريق المطالبة بحق له عليه ، ولا يقصد بهذا الضغط إلّا الوصول إلى حقه ، فلا يبطل العقد للإكراه . « 4 »
هامش
( 1 ) جواهر الكلام ، ج 8 ، ص 88 .
( 2 ) المصدر ، ص 87 ( ملحوظة : ذكر المؤلف ذلك في باب الإكراه على الولاية ) .
( 3 ) المصدر ، ص 138 .
( 4 ) الوسيط ، ج 1 ، ص 342 .