وقد ذكر الفقهاء فروعاً كثيرة في تحقيق معنى الإكراه . ولكن لأن حالات الأفراد مختلفة ، وموارد الضغط على الأشخاص متفاوتة ، فالأفضل أن نجعل وجدان الفرد حاكماً عليه فيما يتصل بالإكراه ، ولدى الاختلاف يمكن مراجعة القضاء ، ولدى التردد في مفهوم الإكراه يمكن استفتاء الفقيه بعد بيان خصوصيات المسألة .
إلّا إن علينا أن نذكر هنا بإذن الله تعالى المعيار الذي يسري في الإكراه ، ونبين بعض الفروع التوضيحية .
ما هو الإكراه ؟
لكي تتوضح أكثر فأكثر حقيقة الإكراه ، لا بد أن نعرف الفارق بينه وبين الالجاء ، وأن نعرف معياره الذاتي ووسائله المادية .
أ - بين الإكراه والإلجاء
الإلجاء هو دفع الفرد تحت ضغط شديد إلى القيام بممارسة من دون إرادة ؛ مثل أن توجر الخمر في حلق شخص ، أو تؤخذ يده وتبصم بها على ورقة عقد ، أو يضرب شخص ضرباً مبرحاً حتى يعترف ظاهراً بأمر ، وهكذا . . وفي هذه الحالة لا يمكن أن ينسب الفعل إلى الشخص ، بل إلى من ألجأه .
بينما الإكراه هو إيجاد باعث للفرد على عمل بعد تهديده ، وإثارة الخوف في نفسه . فالباعث كما قد يكون رغبة في خير ، قد يكون رهبة من شر . والعمل في هذه الحالة ينسب إلى الفاعل ، ولكن يعذر عليه لوجود الرهبة .
وفي ذلك يقول د . السنهوري : فالمكره ارادته موجودة ، ولو انتزعت منه هذه الإرادة رهبةً ، لأنه خيّر بين أن يريد أو يقع به المكروه الذي هدد به ، فاختار أهون الضررين وأراد ، إلّا أن الإرادة التي صدرت منه إرادة فاسدة ، لأنها لم تكن حرة مختارة . « 1 »
ويقول العلامة النجفي وهو يفرق بين الإكراه والإلجاء : فالمكره القاصد للفظ ومدلوله على نحو سائر أفعال العقلاء كالمكره على الأكل والشرب ونحوهما ( حكم هذا المكره ) حكم الفضولي . والمكره الذي قد جرد نفسه من قصد العقد بما يتلفظه به على وجه لم يصدر منه إلّا
هامش
( 1 ) الوسيط ، ج 1 ، ص 334 .