تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
والأصل في ذلك إن حقيقة العقود هي التراضي والإرادة المتبادلة ، ومع عدم التمييز لا تكون هناك إرادة ولا قصد . ولذلك فإن عبارات هؤلاء لا قيمة لها حتى ولو لحقها الرضا ، لأن الإرادة عندهم مفقودة . وفي ذلك يقول د . السنهوري : الأهلية مناطها التمييز ، لأن الإرادة لا تصدر إلّا عن تمييز ، فمن كان كامل التمييز كان كامل الأهلية . « 1 » ومن نقص تمييزه كانت أهليته ناقصة ، ومن إنعدم تمييزه انعدمت أهليته . « 2 » وإذا كان المناط التمييز ، فهل يعتد بكلام المجنون الذي يملك قدراً من التمييز إذا لحقه رضاه بعد الإفاقة ؟ الجواب : لا ؛ لأن الجنون هو ضد التمييز تماماً ، وافتراض تمييز المجنون هو بمثابة افتراض افاقته . ومن هنا فإن مجرد القصد لا يكفي ، لأن القصد مع انعدام التمييز مثله مثل قصد النائم ، وفي ذلك يقول العلامة النجفي بعد أن يحكي الإجماع على عدم الاعتداد بعقد المجنون ، يقول : لا لعدم القصد فإنه قد يفرض في بعض أفراد الجنون ، بل لعدم اعتبار قصده وكون لفظه كلفظ النائم . « 3 » وقد أجاد المحقق في جعل المناط في السكران التمييز ، لأن السكران قد لا يبلغ به السكر درجة فقد التمييز . ومثله المريض الذي يهيمن عليه الوجع ، أو المشدوه ، أو الغاضب ، أو المخدّر بالبنج أو بالمخدرات ، أو الذي يغالب النعاس ، كل أولئك إذا فقدوا التمييز فقدت كلماتهم قيمتها الشرعية . ونستوحي هذا المعيار من قوله سبحانه : ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) ( النساء / 43 ) فإن المفهوم من قوله سبحانه ( حَتَّى تَعْلَمُوا ) انه حتى تميزوا كلامكم . . ومثل هؤلاء الهازل ، فإن لفظه لا قيمة له ، لأنه لا نية معه ولا إرادة تدعمه . لذلك إستغرب العلامة النجفي من التزام الصحة في الهازل . « 4 »
هامش
( 1 ) أي من حيث التمييز ، لأنه قد يفقد المرء الأهلية لأسباب أخرى كالحجر . ( 2 ) الوسيط ، ج 1 ، ص 268 . ( 3 ) جواهر الكلام ، ج 8 ، ص 136 . ( 4 ) المصدر ، ص 137 .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 239 | السيد محمد تقي المدرسي