لا كل فرع لكل أصل وإن كان بعيداً لا يعرفه إلّا خواص الناس ، نحو طلع الفحل ، ونحو اتخاذ القند من الشوندر ، وغير ذلك مما يستخرج من بعض الأجسام على وجه لا يدركه إلّا أوحدي الناس لا أقل من الشك والأصل الجواز . « 1 »
بلى ؛ عند الشك نرجع إلى جواز البيع . ولكن جهل عامة الناس بأصل شيء لا ينفي إتحاده معه عند من يعرف ؛ مثلًا لو لم يعرف أحد تركيب السويق ، وهل أنه يعمل من الشعير أو من الرز ، فإن ذلك لا يجوز بيعه بأصله ، والعرف معيار ، ولكن شريطة معرفته بأصل الأشياء لا جهله ، والله العالم .
ثالثاً : فوائد البنوك والديون الدولية
في عدة نقاط نستعرض مسائل فوائد البنوك والديون الدولية . ففي البدء نتحدث إن شاء الله تعالى عن تاريخ البنوك بشكلها الحالي ، ونبحث ثانياً في مدى تأثيرها على واقع حياة الإنسان ، وثم عن تأثير الديون الخارجية على تنمية الدول ، وأخيراً عن بعض الشبهات التي تحوم حول فوائد البنوك .
1 / تاريخ البنوك الحديثة
يقال إن كلمة " البنك " أصلها إيطالي ، وكانت إسماً لتلك الخشبة التي كان الصيارفة يضعون عليها النقود المختلفة . وقد نشأت منذ عصور قديمة مهنة الصيرفة ، حيث كان الناس يحتاجون إلى تبديل عملاتهم ( في البلاد الإسلامية مثلًا تبديل الدينار بالدرهم ) ، ولأن بعض الناس أخذوا يرتزقون عن هذا الطريق ، فتكونت طبقة الصيارفة . ولأن الصيارفة كانوا يحتفظون أبداً بكمية من العملات ، فقد إخترعوا صناديق لحفظ النقود . وهنا نشأت باكورة عمل البنك إذ الناس والأثرياء منهم بالذات كانوا يودعون أموالهم عند الصيارفة للحفاظ عليها لقاء دفع أجر معين ، وكان الصيرفي يعطيهم سنداً في مقابل أموالهم .
وحينما تعاظمت الثروة عند الصيارفة ، فكر هؤلاء في الاستفادة منها ، إذ أنهم عرفوا أن حاجة الناس إلى ثروتهم لا تزيد عن عشرة بالمأة منها ، وهكذا تبقى البقية مدخرة ومجمدة بلا فائدة ، حيث إن السندات التي كانوا يعطونها للناس أصبحت بديلًا عن ذات الأموال في تعامل التجار فيما بينهم .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام ، ج 8 ، ص 460 .