إلّا أن علينا حين نتدبر في الآية ، ونتأمل في الأحاديث ، أن ندرسها جميعاً وننظر إليها نظرة شمولية نستوحي منها بصائر ، لعلنا نستفيد منها في الحوادث الواقعة والمسائل المستحدثة .
وفي الأنظمة الحديثة ، هناك حدود قانونية للتجارة ، تتشابه من ناحية معينة لما في الشريعة الغراء .
يقول د . السنهوري : وقد يكون الشيء غير قابل للتعامل ، لأن ذلك غير مشروع . وعدم المشروعية يرجع إما إلى نص القانون الذي يمنع من التعامل في الشيء ، أو إلى مخالفة هذا التعامل للنظام العام أو للآداب . « 1 »
ويضيف في شرح النظام العام : القواعد القانونية التي تعتبر من النظام العام هي قواعد يقصد بها إلى تحقيق مصلحة عامة ؛ سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ، تتعلق بنظام المجتمع الأعلى ، وتعلو على مصلحة الأفراد . فيجب على جميع الأفراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها ، ولا يجوز لهم أن يناهضوها باتفاقات فيما بينهم . « 2 »
وبالنسبة إلى ضرورة مراعاة الآداب في المعاملات يقول : والآداب في أمة معينة وفي جيل معين هي مجموعة من القواعد وجد الناس أنفسهم ملزمين باتباعها طبقاً لناموس أدبي يسود علاقاتهم الاجتماعية . « 3 »
وهكذا تجد أن القانون الوضعي يحدد المعاملات بأمرين ؛ المصلحة العامة ، والآداب . وواضح إن المصلحة العامة تختلف من أمة لأخرى ومن نظام لنظام ، كما إن الآداب تختلف . وأما الدين فإنه فيه ثوابت لا تتغير ، وهي الأحكام الشرعية التي نصت عليها مصادر الوحي ، وفيها أيضاً متغيرات ، وهي التي تقتضيها المصلحة العامة للمجتمع ، وقد بينتها مصادر الوحي أيضاً ولكن ضمن أصول عامة وأحكام كلية ؛ مثل حرمة الظلم والضرر ووجوب ما به قوام الفرد والأمة ، وما يحفظ بيضة الإسلام .
وفيما يلي نتحدث إن شاء الله عن ثوابت الشريعة ، مع إشارة إلى القواعد العامة التي مجال الحديث عنها الفصول الأخرى من هذا الكتاب . وطبقاً لتلك القواعد يحكم ولي أمر المسلمين بما
هامش
( 1 ) الوسيط ، ج 1 ، ص 398 .
( 2 ) المصدر ، ص 399 .
( 3 ) المصدر ، ص 400 .