ومن الأكل بالباطل ؛ التعامل على حرام ، لأن الحرام ملغي عند الشريعة ، وباطل ، فكيف يقع عليه العقد ؟ مثلًا الشريعة أسقطت الخمرة عن القيمة ، فمن باعها وأكل ثمنها ، فقد أكل مال غيره بالباطل . وكذلك الميسر حرام ، فمن أكل مالًا بازاءه ( بيعاً أو إجارة أو رهناً أو ما أشبه ) فقد أكل مال الناس بالباطل .
وكذلك التجارة بالأصنام والأزلام ، وما يأتي الفساد منه محضاً ، وما يأتي منه الشر لا غير ، وما فيه ضرر وما لا مالية فيه ، إنها جميعاً لحرمتها أكل للمال بالباطل . وفي الآية بصائر نستوحي من التأمل في كلماتها :
1 - فالأكل أصلًا معناه التغذية ، ويُستخدم في التسلط والإقناء .
2 - ونسبت الأموال إلى الجمع ، لأن النهي متوجه إلى الجمع ، وربما للإشارة إلى أن المال قد جعل قواماً للحياة الاجتماعية .
3 - ولعل في كلمة ( بَيْنَكُم ) إشارة إلى أن بدعة أكل الأموال لو شاعت لشملت الجميع ، أو للإشارة إلى أهمية المحافظة على حقوق الأمة المالية أكثر من حقوق الآخرين .
4 - وكلمة ( بِالْبَاطِلِ ) تدل على حرمة الاحتيال على البعض بأكل المال . وقد فسّر الباطل في الروايات بالقمار ، وفي آية كريمة من القرآن بيان له بالإدلاء إلى الحكام لأكل فريق من أموال الناس بالإثم .
وهكذا نستوحي حرمة التوسل بكل سبب غير مشروع لأكل الأموال .
5 - وكلمة ( إلَّا ) الاستثناء ، وهي تدل على الفصل بين الجملة السابقة واللاحقة في الحكم ، وليس بالضرورة أن تكون الجملة اللاحقة جزءً من السابقة من دونها . فمعناها هنا أن الحرام أكل أموالكم بالباطل ، والحلال هو أكلها بالتجارة .
6 - وفي القرآن فصل الخطاب ، فالجملة ( إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاض ) تدل على أن الأصل في التجارة الصحة . فهي مطلقة ، لأنها في مقام التشريع .
وسنذكر لاحقاً رواية مفصلة « 1 » تؤكد هذا الأصل كما سنذكر لاحقاً طائفة من مصاديق أكل المال بالباطل ، والتي اعتبرتها بأنها سحت ، سوف نتناول بعضاً منها بالذكر بإذن الله تعالى .
هامش
( 1 ) وهي عبارة عن حديث مفصل في كتاب تحف العقول الذي سيأتي ذكره لاحقاً .