تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤

ألف : الحب

أعظم تطلّع عند النفس تجاوزها ، وقد فطرت النفس البشرية على أن رسالتها الأولى تتمثل في التكامل بها إلى حيث نفي ذاتها جزئياً أو حتى كلياً ( الإيثار . . التضحية ) لمصلحة ذات آخر . وهذا مصدر حبّ الله سبحانه ، والانجذاب إلى جماله وكماله ، والبحث عن أيّة وسيلة للتقرب إليه زلفى . وتجتمع في الحب القيم التي ركزت عليها سائر المذاهب وبعبارات مختلفة ، ونحن نشير إليها تباعاً . فمن الحب الاحسان إلى الآخرين ( الأديان السماوية ) ، والبّر بالآباء ( كونفوشيوس ) ، والزهد والتبسيط ( الطاوية ) ، وتربية الذات على الطهارة والتنسّك والعدل ( فيثاغور ) ، وحب الله وحب الغير ( المسيحية ) . ولعل هدف المذاهب الصوفية كان في البدء تعميق هذا الأصل في روح الإنسان ، ولكنهم شطوا فيه إلى الحالة العدمية ؛ فمثلًا تبدو الأخلاقية ( عند البوذية ) وسيلة تقنية مهمّتها تدمير الذات لكل ميل متمركز حول الفرد ، وكل تطلع إلى امتلاك حياة شخصية حتى يصل المرء إلى ( النيرفان ) أو ( العدل المحض - الوجود الأعلى ) « 1 » . كما تفيض من هذه القيمة العيش من أجل الآخرين . ( يقول كونت : الحب مبدأ ، والنظام أساساً ، والتقدم هدفاً ) ، ولذة الصداقة ( أبيقور ) ، واللذة الأسمى الاخلاص للآخرين ( النفعيّة ) ، وإشراك الآخرين في الخير ( أخلاقيات أميركا ) ، وفاعلية العطاء وتجاوز الذات ( برغسون ) ، والعمل المفيد للفرد وللمجتمع وللكون ( وليم جيمس ) . وجاء في الحديث الشريف : " وهل الدين إلا الحب " . وقال الله تعالى : قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ « 2 » . وقال سبحانه : يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « 3 » . وقال : وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ « 4 » .
هامش
( 1 ) 1 - المذاهب الأخلاقية الكبرى ، ص 69 . ( 2 ) 2 - آل عمران / 31 . ( 3 ) 3 - المائدة / 54 . ( 4 ) 4 - البقرة / 165 .