وهكذا كانت مصادر الأخلاق ثلاثة ؛ الوحي والعقل والطبيعة . إلا أن الوحي يذكّر بالعقل الذي يهيمن - بدوره - على الطبيعة ويختار من متاعها ما يشاء . فهو ليس ريشة وسط عواصفها الهوج ، كما تصوّرت المذاهب الطبيعية أو العلمية الحديثة .
والإنسان لا يختار شيئاً بلا معيار كما تصورت الوجودية ، والإرادة الهيجلية أو النية الحسنة الكانتية ، ليستا مصدر الأخلاق الوحيد . . لأن الطبيعة أيضاً ذات أثر ، كما أن الوحي يهدي ويذكّر ويهذب النفس ويلقي بالأصول العامة . أما الفاعلية ، فإنها متأخرة بدرجة من الأخلاق . فالأخلاق ضياء ، والفاعلية حركة . الأخلاق صراط ، والفاعلية المسير عليه ، وهي بالتالي هدف الأخلاق وليس ذات الأخلاق . بلى ؛ الأخلاق بلا فاعلية إطار بلا محتوى وحروف بلا معاني . ومن أراد وعي الحقائق بلا حركة ، كان كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه . وحسب آية شريفة " والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا " « 1 » .
وما يقودنا إلى الفاعلية ، بصائر أخلاقية شتى .
أولًا : إن اندماج البشر بالحقيقة يتم بالتحرك في عمقها وتطويرها .
ثانياً : إن السعادة لا تتحقق إلا بالتواصل مع الحقيقة أخذاً ( الطعام ) أو عطاء ( الذرية ) .
ثالثاً : أمام الإنسان فرص لا تنتهي للتكامل ، وفي الحياة امكانات لا تحدّ للتطوير ، ورسالة الإنسان التكامل . ( وهذه أصدق فطرة في ذاته ) وتطلّعه الدائم في التطوير .
وليس ذلك عن نقص في مشيئة الله سبحانه ، أو قدرته المطلقة . ولكن لأنّه قد شاء الله أن يجعل الإنسان حراً يختار ما يشاء ويتحمل مسؤولية اختياره ، ولأنه سخّر ما في الأرض لمصلحة الإنسان وأمَرهُ أن يستفيد منها في سبيل الخير ، ولأنه حمّل البشر هذه الرسالة .
هكذا جاءت البصيرة الدينية جامعة لسائر الأبعاد الإيجابية للمذاهب الفلسفية ومهيمنة عليها جميعاً ، بالإضافة إلى ما فيها من رؤى علمية لا يوجد أثر لها عند المذاهب الفلسفية .
3 / جوهر الأخلاق
ما هي قيمة القيم ، وجوهر الأخلاق ، وأصل كل خير ، وبالتالي أم الفضائل ؟
قال أفلاطون تبعاً لسقراط : الأخلاق علم ( وأراد به كل ما يتصل بالفكر ) .
هامش
( 1 ) - العنكبوت / 69 .