2 / المذاهب الأخلاقية تتكامل
هل خلق الكون من غير شيء ؟ أم جاء صدفة من ضمير الغيب بلا سبب ؟ إذاً فما هذا النظام الحكيم القائم فيه ؟
وإذا كان الإنسان واحداً من الكائنات الذي يتفاعل مع العالم المحيط به ، فما هي علاقته بها ، هل يؤثّر فيها أم يتأثر بها ، هل يصنعها أم تصنعه ؟ وبالتالي هل يساهم في مصيره أم تقوده الطبيعة العمياء إلى حيث لا يدري ؟
وأهم من ذلك ، هل يعقل الإنسان شيئاً ؟ أم إن كل شيء عليه غيب خفي ؟ وإذا كان يعقل فمن قال إنّه يعقل حقاً ؟
كل هذه الأسئلة هي التي تصدّت الفلسفة للإجابة عنها ، وجاءت كل فلسفة ببضاعتها في هذه السوق النافقة .
ألف - ففريق كفر برب العالمين ، أو قال : بأن ذي العرش عاجز ، وأنّه قد فاضت عنه الخليقة ، كما تفيض من العين الروافد ، ومن دون وعي منه أو قدرة ، وهكذا فقد فوّض إلى الخلق شؤونهم ، فلا وحي ولا رسالة ولا أخلاق توحى ولا قيم تتنزّل على الناس من الأعلى .
وأكثر المذاهب الفلسفية تنتمي - بالتالي - إلى هذا الرأي ، ثم تفرّقوا - بدورهم - في تفسير الأخلاق وتطبيقاتها أيّما اختلاف .
ولكن المؤمنين بالله الرحمن الرحيم ، آمنوا بأن الله لم يتركهم سُدى ، وأنّ رحمته لا تزال تتنزل عليهم ، وأن قدرته محيطة بهم ، وأنه قد أنزل عليهم رسالاته نوراً وضياءً ، وأنها تهديهم إلى سبل السلام في أخلاقهم وقيم حياتهم ، فكانت قاعدة الأخلاق عندهم الوحي . . ولا ريب أن الأديان السماوية تنتمى إلى ذلك ، وإليها يرجع أيضاً بعض المذاهب الأخلاقية الكبرى ؛ مثلًا الفيض الأفلاطوني ، وعالم المُثُل عنده ، والوجودية المؤمنة وآخرون . .
باء - وحين يعود البشر إلى نفسه ، ويستنطق ضميره ، هل يجد في داخله ما ينطق ويتحدث من عقل أو إرادة أو عواطف ؟ وهل يعبّر ذلك الناطق عن الإنسان أم عن الطبيعة المحيطة به ؟ .
1 - فريق قالوا بلى ؛ والعقل هو الناطق ، وسمّاه البعض بالإرادة ( هيجل ) ، والآخر بالنيّة الحسنة ( كانت ) ، وهو العقل عند أفلاطون وأرسطو . و . ولقد كانت هذه قاعدة الأخلاق عندهم .