ولكن كيف يمكن تصور " أخلاق " إذن في مثل هذه الظروف ؟ . . . وباسم أيّ معيار يمكننا إقرار قيمة نعيّنها لكائن آخر هو بالتعريف ( حسب سارتر ) خالق حر للقيم ؟
وهنا - في ظنّي - مشكلة " الكانتية " بكل صورها ، ومنها الوجودية الملحدة ، فإذا ألغينا الآخر ( غير وجودي أنا ) ينهار البناء الاجتماعي والأخلاقي ونصل إلى ذروة الفوضوية ، وإذا اعترفنا بقيمة الآخر فما الفرق بينه وبين الوجود ( الأحياء / الجمادات و . . ) ما دامت موجودة وكيف نفرّق بين الإنسان وغيره ؟
المذاهب الأخلاقية في الميزان
1 / خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم
بعد تطواف شيق حول نظريات المدارس المختلفة في الأخلاق يطيب لنا الاستراحة والتحقق حول ما قطفناه من ثمرات التأمل الأخلاقي عند كبار الفلاسفة ، فماذا نجد فيها ؟
نجد إنها ثمرات متشابهة تهدف غاية سامية ، هي الخروج من الشهوات العاجلة للذات ، إلى رحاب ( غاية سامية ) ان اختلفوا فيها فإنهم يتّفقون في ضرورتها .
انها حالة من التجاوز الذي لا يكتمل الذات إلا به ، حالة من الحب والبحث عن المثل الأعلى عن الخلق الجديد للنفس ( وحسب التعبير القرآني اقتحام العقبة ) .
لا ريب في وجود تطلّع في النفس نحو الأعلى ، فهل هو صدى نداء علوي ، يفرض الخلق الرفيع ؟ أصحاب المذاهب العلوية في الأخلاق ، قالوا بلى ؛ فالإنسان بكل أبعاده المادية والمعنوية ، قطرة في نهر متدفّق ، أو ومضة نور في شلّال ضوء باهر ، وكل شيء فيه تعبير عن الكائنات ، فليكن هذا التطلع صدى ذلك النداء الذي يحيط به من كل جانب . وهكذا يؤكدون النداء ( العلوي ) يمثل الأمر الفارض ، بينما التطلّع الوجداني يمثل الضمير المسؤول ( حسب التعبير القرآني : العقل أو النفس اللوّامة ) . وفي نظري أن الهوة تضيق بين فكرتي التطلع من العمق ، والواجب من فوق ، وعندما نهتدي - بتذكرة القرآن - نعرف أن الوحي يوقظ العقل ، والعقل يصدق به . فالعقل هو الضمير المتطلع ، والوحي هو الأمر الفارض .