الثاني : في أن الفاعلية قيمة لا ريب فيها ، وهي تبرز ما خفي من كيان الإنسان ، وتبلور شخصيته بالاحتكاك المستمرّ مع الحوادث ، ولكنها إن لم تكن وفق معايير ثابتة فإنها لا تكفي الإنسان ولا تعطيه رؤية واضحة ، ودليلنا إلى ذلك ، حشد التجارب الفاشلة عند من يملكون الفاعلية دون رؤية ، ثم إن أعظم ميزة للبشر ، إنما هي قدرته على استيعاب تجارب الآخرين ، وقسط كبير من القيم الأخلاقية هي تجارب بشرية متراكمة ، فلماذا نتركها ونبدأ من جديد . بلى ؛ التجربة الإنسانية المباشرة ، هي الأبلغ نفاذاً والأغنى حكمة ، ولكنها وحدها لا تكفي .
أما الحديث عن متغيرات الحياة ، فهو حديث شيق ، ولكن شريطة ألا ينسينا ثوابتها ، ولا أحد بقادر على انكار الثوابت التي تتدفّق من خلالها حوادث الحياة ، كما يتدفق تيّار الماء من خلال نهر أو أنبوب ، ومن دون الثوابت تضيع مواد الحياة ، كما تتلاشى المياه في صحراء واسعة .
2 / الفاعلية الإرادية
أما برغسون ( 1932 ) فقد طوّر هذه النظرية إلى بعد جديد ، إذ ميّز بين نوعين من الأخلاق :
ألف - الأخلاق " المغلقة " ، وهي ليست سوى ضغط اجتماعي بسيط ، أو مجموعة من القواعد ( الأخلاقية النابعة من العوامل ) الخارجية عن الفرد والهادفة إلى تأمين توازن وحفظ بقاء الجماعة .
باء - الأخلاق " المنفتحة " ، ذات الماهية الشخصية والخلاقة ، وهي انفعال يعيشه الفرد فيجيش في نفسه ويتجسد على شكل " اختراعات أخلاقية " تدفع الإنسانية قدماً إلى الأمام نحو مثل أعلى من الإخاء ، تتزايد كلّيته باستمرار . فهذه أخلاق قائمة على الفاعلية . ، ولا يسعنا - امام هذه النظرية - الا الإشادة بهذا التأمل الأخلاقي ، وبالذات في كشف قيمة الفاعلية ( التي تعني عنده أخلاقية العطاء ) ونضيف :
ان الانسان خلق ليتفاعل مع العالم المحيط ، فجسده حيّ بالتواصل مع البيئة أخذاً ( الطعام والشراب مثلًا ) وعطاءً ( الحركة والجنس مثلًا ) وكلما ازداد تواصلًا مع بيئته ومحيطه ازداد عنفواناً وحياةً .