تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
والذي غاب عن ( كانت ) أن هذا الوجدان ليس نهاية المطاف ، إذ يمكن أن يقول أحد : ما الذي يدعوني إلى اتّباعه ؟ ! بل الوجدان بدوره من ومضات العقل البشري الذي يضيء رحاب النفس ، وإذا تأملنا - عميقاً - وجدنا هذا العقل هو في كل موقع شاهد وحجة ، فهو الذي يمنع التناقض ، وهو الذي يعرف الحكمة في الطبيعة ، وهو الذي يهدي إلى القيم الأخلاقية ، وهو الذي يذكرنا بأن هذه القيم ذات أصول في الحياة ، وبالتالي هو الذي يدلّنا إلى ربنا سبحانه .

المذاهب الفاعلية

حين قلب ( كانت ) المعادلة ، فظنّ أن الإنسان هو الأصل في الأخلاق ، فتح الباب عريضاً وواسعاً أمام نظريات التطوّر للتدخل في الأخلاق ، ونستعرض معاً بعضاً منها :

1 / نظرية التطوّر عند راو

عند راو (
Rauh ) 1909
م ، الإنسان يتطور لأنه ابن الظروف المتغيرة ، إذاً أخلاقه يجب أن تتطور ، وقيمة القيم في الأخلاق تجربة الإنسان الأخلاقية ، التي لا يمكن الاحساس بها إلا عن طريق الفاعلية . قال : بأن الواقع الأخلاقي هو دافع ، أيّ شيء ما حيّ ومرتبط بالحياة ، مع كونه في صيرورة دائمة على غرار الحياة . وعلى ذلك فلا يمكن الاحساس بالعامل " الأخلاقي " إلا عن طريق الفاعلية . فهناك تجربة أخلاقية تدوم مدى الحياة ونلمس مظاهرها المتعدّدة بواسطة حدس يتعدل باستمرار من خلال احتكاكه بالاحداث . . وليس هناك " واجب " بل توجد واجبات هي دائماً حركيّة وخاصة ، دونما " قاعدة " كلية ، وهذه تعدّدية يجب ألا تؤدي بنا إلى مذهب الشك الأخلاقي ، بل إلى الاقتناع ، بأنه يجب علينا أن نعيش عدداً لا متناهياً من التجارب لأجل الوصول إلى اكتمال المثل الأعلى « 1 » . ونقدنا لهذه النظرية يتمثل في أمرين : الأول : في القاعدة التي انطلق منها ، والمتمثلة في النسبية الذاتية ، وأصالة الإنسان ( عند كانت ) وقد تحدثنا عنهما آنفاً .
هامش
( 1 ) - المذاهب الأخلاقية الكبرى ، ص 123 .