ثانياً : إن أساس لذة الإنسان وعي الحياة ( الكينونة ) ، وهذا الوعي يأتي تارة بالأخذ وتارة بالعطاء وثالثة بالعلاقة الفاعلة مع طرف ثان . ويبدوا أن مل اكتشف بتأمله طرفاً من هذه الحقيقة .
ثالثاً : إن اللذة قيمة ذاتية ، وتطويرها حتى تصبح قيمة اجتماعية لا يتم بتلك السهولة التي زعم مل ، لأن هناك أكثر من سبب للصراع والتشاح وسوء التقدير مما يسبّب في الخلاف وبالتالي في عدم معرفة أفضل موضوع للّذة . وهكذا تتّضح القيم الاجتماعية كالعدالة والاحسان والتطلع .
5 / المذاهب الطبيعية المعاصرة
فيما يلي ندرس بعض النماذج للمذاهب الطبيعية في الأخلاق ، ونضرب مثلًا من واقع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي ( سابقاً ) لأنهما أبرز مثلين في عالم اليوم .
ثلاث قيم يقدّسها الشعبان الأميركي والروسي هي :
1 - الحيوية والابداع والانتاج .
2 - التعاون واشراك الآخرين في الخيرات .
3 - الزعامة ( القدوة ) .
من أين استلهمت أميركا وروسيا هذه القيم ؟ وكيف اجتمعتا في القيم ، وقد كانا قطبين متناقضين ( قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ) ؟
إن مصادر الإلهام مختلفة بينهما ، بل وحتى التعبير عن القيم ليس واحداً ، وإنما جمعهما التحدّي الحياتي الذي خاضاه . فربّما تُلجأ الظروف التاريخية والتحديات المعاصرة ، شعباً إلى تبني فلسفة وتقديس قيم أكثر من البحث النظري .
وقد وجدت أميركا ضالتها في المذهب البروتستانتي والصيغة الكالفينية منها بالذات ، بينما وجدت روسيا ضالتها في الماركسية والهيجلية وخليط من الفلسفات الأوربية .
لقد تحدثنا عن فلسفة كالفن ، وأن لكل انسان رسالة لا بدّ أن يؤديها فوق هذه الأرض ، ليساهم بها في الخلق الإلهي ( تشبه فكرة الخلافة عند بعض المفسرين للقرآن الكريم ) . وبالتالي تقدس الكالفينية قيمة النجاح . وهذا النجاح يعود بالخير على الجماعة ، حيث يشكل مقدار