ودون أن يحسد أحداً . . كما يجب أن يتحمل الألم ( إنه لا يدوم أبداً ويمكن محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة ) . وعلى أيّ حال فإن الحكيم يستطيع دائماً هجر الحياة إذا أصبحت لا تطاق ( كما يغادر غرفة أصبحت مليئة بالدخان ) ما دام الموت ليس أمراً يبعث على الخشية .
ولكن المشكلة التي غابت عند أبيقور وأصحابه ، أن جماح اللذة عن البشر ، لا يكبحه سوى الايمان بالآخرة ، لذلك تجد النتائج الخطيرة لهذه النظرية ، حيث أصبحت شعاراً لكل الفساق والمستهترين بالقيم ، والخارجين على القانون وحسب غريغوار :
يتّضح لنا مما سبق أن " ابيقور " يصل بالنتيجة إلى إحياء الفضائل التقليدية ؛ التعفّف ، والصداقة ، والشجاعة ، والخ . . ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية ( والتي تقوم ميزاتها الرئيسية على تذكير الناس بأن الألم يتوقف ، بنسبة كبيرة ، على التقدير الذي نضعه نحن ذاتنا للأشياء ) كان من نصيبها أنها ( لاقت من النجاح بسبب مقدماتها أكثر مما لاقته بفضل نتائجها ) على حدّ تعبير " ريفو " . . بل وأصبح المفهوم غالباً مما يعنيه الانضمام إلى الابيقورية ( بالنسبة لروما مثلًا ) البحث المنهجي الأمثل عن المتع السهلة « 1 » . .
بالإضافة إلى ذلك فان الابيقورية تضرب في المثالية حتى الاعماق ، حيث أنها تفرض وجود حياة هادئة وبسيطة ، ورجال حكماء يقدّرون مستوى الألم ومستوى اللذة ، ويقدرون أيّهما أعظم ، ( وهذا - بالطبع - عملية صعبه ومحفوفة بسوء التقدير غالباً ) ، كما ويستطيعون ضبط أهواءهم بإرادة صلبة .
4 / مذهب المنفعة
أحيت الفلسفة الحديثة المدرسة الأبيقورية في القرن الثامن عشر ، وحاولت أن تبني المدرسة النفعية هرم القيم على قاعدة المنفعة ، أو اللذة . وهذه المدرسة قامت على أنقاض المدرسة الابيقورية . إلا أنها طعمتها ببعض الأفكار المسيحية ، حيث وسعت حدود كلمة اللذة ( المنفعة ) حتى شملت اللذة المعنوية مما جعلت الكلمة قريبة من معنى السعادة .
هامش
( 1 ) - المسألة الفلسفية ، د . محمد عبد الرحمن مرحب ( سلسلة زدني علماً ) ، ص 92 - 93 .