ثم تراه ينقلب إلى علماء الطبّ مع دولباك . ثم مع فرويد ومتشينكوف - الطبيبين الذين رعياه في المطب النفسي الحياتي - ومع هوبز في حضن الفيزياء ، أو مع ماركس في كل هذه الفروع .
ولم تفقد الفكرة قوتها في أيامنا هذه ، فقد نشط " متشينكوف " مثلًا و " فرويد " ( وكلاهما طبيبان ) لكي يبرهنا هما أيضاً على أنه لا يمكن بناء أخلاق صحيحة إلا بالارتكاز إلى معرفة الميول السيكو - بيولوجية ( النفسانية - الحياتية ) التي تشكل " الطبيعة الإنسانية " « 1 » .
إلا أن المحاولة الجادة تمّت على يد دوركايم ، ومحاولاته دراسة السلوك بالاختبار « 2 » .
3 / المذهب الأبيقوري
قبل كلّ شيء لا بد أن نعرف أنه قد قسّمت المذاهب الطبيعية إلى قسمين :
أولًا : ما استندت إلى طبيعة الإنسان ، ولم يتجاوز الطبيعة الفجّة إلى سماء الرّوح .
ثانياً : وما استندت إلى بعض فروع العلم الحديث .
والأبيقورية والمذهب النفعي من القسم الأول . أما الابيقورية ( حوالي القرن الرابع قبل الميلاد ) فقد تمحورت حول قيمة اللذة والتوازن بين درجتها ودرجة الألم ، وحاولت أن تنطلق منها إلى بناء كيان أخلاقي متكامل ، لا يعتمد على الدين والخشية من المعاد ؛ بل على توازن اللذة والألم ، وتجنب التي تسبب من الألم قدراً أكبر . . . وقسّمت المتع إلى ثلاثة أنواع ، فقالت ب - " التمييز بين الحاجات الطبيعية الضرورية من ناحية ( كالطعام ، والنوم والخ . . وهي سهلة الاشباع دائماً ، فيكفيها بعض الماء أو الخبز أو غطاء للنوم ) وبين الحاجات الطبيعية غير الضرورية من ناحية ثانية ( كالرغبة الجنسية ، الخ . . ) التي يستسلم لها الحكيم إذا أتيحت له الفرصة ، شريطة أن يتفادى دائماً ( أن ) تتكون ( عنده ) عادة تجعله عبداً لهذه الرغبات ، فتسبّب له الألم - بالتالي - إذا لم يستطع اشباعها . وبين الحاجات غير الطبيعية وغير الضرورية من ناحية أخيرة ( كالمجد ، والثراء ، والخ . . ) والتي يجب على الحكيم أن ينصرف عنها ، لأن الحصول عليها يتطلّب جهداً يفوق التلذذ الناجم عنها " .
يجب بالتالي أن يعيش المرء ، حياة متوازنة وبسيطة ومتواضعة ، دون أن يبحث إلا عن لذة الصداقة ( تلك اللذة الصافية المتجددة دوماً ) ودون أن يؤذي أحداً ( مما يجنبه التعرض للانتقام ) ،
هامش
( 1 ) - المسألة الفلسفية ، د . محمد عبد الرحمن مرحب ( سلسلة زدني علماً ) ، ص 26 .
( 2 ) - المصدر ، ص 27 .