وكانت هذه نظرة الكثير من الفلاسفة ( أمثال " هوتشسون " و " هلفسيوس " و " ديدرو " و " بكاريا " و " نبتهام " ) ولكن الذي طورّه أكثر فأكثر كان " ستيوارت ميل " وذلك حوالي عام - 1850 فاستكمل هذا الوحي وقام بتنهيجه ، كما يلي :
" لا يكفي أن نأخذ بعين الاعتبار ( على غرار " بنتهام " مثلًا ) شدة اللذات ، وقرب منالها ، وسعتها . فهذه جميعاً مفاهيم كمية فحسب ، ولكن يجب النظر أيضاً إلى صفتها ، ذلك أن هناك سُلَّماً تسلسلياً للذات ( برهن على صحته موافقة " الرجال المختصين " - كالقديس أوغسطين - الذين خبروا جميع اللذات بشكل متوال ) . وهذا مما يجعل بعض اللذات أدقّ صفاء وأرقى تشذيباً من بعضها الآخر ، وبالتالي أكثر " خصباً " منها . . فهي منابع لا تنضب لِلَذّات جديدة علينا وعلى أولئك الذين يحيطون بنا ، ونجد على رأس هذه اللّذات " العليا " التي تسمو كل السمو على لذات الجسد ، نجد لذات القلب كالاخلاص والغيرية ، تلك التي لا ينقطع لها معين ، وتفيض بمتع جديدة أبداً ، تمنحها للمعطي وللمتلقي على حدّ سواء ( لأنها تخلق ذلك التلذذ القائم على العرفان بالجميل ) . وفي الواقع فان المجتمع الذي تسوده " قاعدة يسوع الناصري الذهبية " ؛ أي التالية : أحبوا بعضكم بعضاً ، هو أصلح المجتمعات بالنسبة للفرد وللمجموعة معاً . ولهذا فان " ميل " يزهو بأن " أخلاقه " نافعة من جميع الأوجه ؛ فهي تبين للمرء ما هي لذته الحقيقية ، وتدفعه لأن يولد في الآخرين عن طريق تصرفه قناعة خيرة مماثلة ، وتفتح الطريق لقيام مجتمع تتوفّرله السعادة الكاملة ، وتتحالف المصلحتان الشخصية والعامة فيه بحيث يشدهما رباط لا سبيل إلى حلّه « 1 » .
ونقد المدرسة النفعيّة يأتي :
أولًا : بأنه يوسع آفاق كلمات اللذة والمنفعة حتى تشمل معنى السعادة ، والتي لا يختلف في أنها هدف الإنسان . ولكن السؤال الهامّ كان ابداً ما هي السعادة ( أو قل حسب تعبير مل : ما هي اللذة أو المنفعة ) ؟
هامش
( 1 ) - المسألة الفلسفية ، د . محمد عبد الرحمن مرحب ( سلسلة زدني علماً ) ، ص 94 .