أولًا : العلم يتكامل . . وما هو اليوم صحيح عند صاحبه بكل غرور ، يصبح - غداً - باطلًا بكل تأكيد ؛ فكيف نربط عجلة الأخلاق به ، وهو لا يجرّ حمله « 1 » ؟
ثانياً : العلم يعطي القوة للانسان ، والمفروض أن نلجأ إلى الأخلاق لضبطه ؛ فإذا ربطناها به ، فان ذلك يكون بمثابة الغاء دور الأخلاق تماماً . وحسب برغسون في كتابه ( الينبوعين ) : إن الخطر الأكبر في العلم في كون الوسائل المادية ( التي يوفّرها العلم لنا ) غير مصحوب بالضرورة ب - ( تمدّد ) للروح الإنسانية متناظر ( ومساو ) مع ذلك التضخّم « 2 » .
ثالثاً : العلم يبشر بأخلاق لا الزامية ، وهو خلاف ما نتوقعه من الأخلاق . فالهدف من الأخلاق الالزام ، وواضح أن العلم لا يمكنه أن يعطينا إياه ، فإن " الأساتذة الفرنسيين " عبر حقبة 1880 ظنّوا أن من الممكن إلغاء فرضية الإله التي قدّم بها العهد ، وبناء أخلاق علمانية تطرح على الناس " نمطاً انموذجياً " لإنسان عقلاني بصورة تامة ومتناسق ، واعتقدوا أن مزيّته القائمة على كونه مثلًا ستصبح ذات تأثير . . غير أن خطأهم كان مزدوجاً : أولًا : إذ ليس هناك أيّة صلة بين العلم والالتزام . . وثانياً : لأنه لا يوجد " ماهيّة للانسان " في مجموعة من الخواص المثالية ، علماً بأنه لا يكون الإنسان إنساناً حقاً إلا إذا تمّ تحققها فيه على وجه الأرض « 3 » .
بلى من فوائد العلم أمران :
أولًا : إنه يكشف الحقائق بوضوح أكبر - خصوصاً في علم النفس والاجتماع . ومن حق الأخلاق أن تستفيد من هذه الحقائق ، حيث يبيّن العلم موضوعة علم الأخلاق .
ثانياً : إن من شأن التقدم العلمي أن يخفف من مصاعب وآلام الناس ؟ .
ثم إن العلم - أنّى كان حقله - يكشف المتغيّرات في الحياة ، والتي تختلف حسب الظروف وحسب مفردات الحقائق ، كما وحسب الزمان . بينما الفلسفة - أنّى كان حقلها ومنها الحقل الأخلاقي عموماً - تتناول الجانب الثابت في الحياة . واما القيم فهي نمطان ، قيم تتصل بالمتغيرات فتعتمد على العلم ، وقيم تتّصل بالثوابت فتعتمد على الفلسفة ( العقل ) . ومن هنا فان خلط موضوعات الفلسفة بموضوعات العلم يفسد العلم والفلسفة معاً .
هامش
( 1 ) - المسألة الفلسفية ، د . محمد عبد الرحمن مرحب ( سلسلة زدني علماً ) ، ص 29 .
( 2 ) - المصدر ، ص 27 - 28 .
( 3 ) - المصدر ، ص 30 .