تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أما الشر فهو بالتالي الابتعاد عن " الإلهي " الأصلي ، وأفدح من ذلك الإنغلاق داخل هذه " النهائية " وهذا الانحطاط وارتضائهما . وأما طريق الخلاص فهي في حركة " تحول عكسي " هي عودة الروح تدريجياً نحو الإله ، حتى يتم استغراقها فيه من جديد . أولًا : أساس مدرسة افلوطين قائم على نظرية الفيض التي ترى ان العلاقة بين الخالق والكائنات هي العلاقة بين الشمس وشعاعها ، والبحر وقطراته ، وهي نظرية باطلة ، إذ أنها تكفر بقدرة الخالق على الخلق ، وبأي علم وتدبير له ( إذ النظرية ترى أن صدور المخلوق من الخالق يتم بغير إرادة منه ، وحتى بغير وعي ) وتكفر بقدرة الله على تغيير الكائنات وعلى إعادتها بعد فنائها ( البعث ) . وهي أساساً مجرد فرضية لا دليل عليها ، بل ادلّة الوجدان تهدينا إلى خلّاقية الرب ، ومالكيته وعلمه وقدرته سبحانه . كما أن في الكائنات ، آيات المخلوقية والمعبودية له سبحانه ، وتهدينا تلك الآيات إلى انها كائنات مخلوقة ، وليست من ذات الألوهية ، كما تهدينا إلى أن خالقها خلوّ عن صفاتها . ثانياً : حركة المخلوق إلى سماء الخالق تعتبر قيمة سامية ، ولكن لن يتم استغراقها فيه ، فهي حركة دائمة لا تنتهي إلى نقطة الاندماج ، وبالتالي ليست هناك نهاية لتقدم البشر . ثالثاً : الفضائل التي نعتها افلوطين بالمتواضعة هي - في الواقع - أصل فضائل الإنسان ( التعفّف - العدالة ) . بينما تلك الفضائل التي نعتها بالتأمل عبر العين الداخلية ، ليس إلا صدى قيمة الجمال التي اعتبرتها مدرسة اثينا إحدى القيم الثلاث ، بالإضافة إلى النظام والعقل . رابعاً : إن قيم الحياة الدنيا ليست عبثاً ، وعلينا أن نهتم بها كما نهتم بالقيم العليا ، لأن كلتا المنظومتين من القيم تشتركان في أننا نحس بها وننتفع بها ، بالرغم من أن الحياة الآخرة أهم من الحياة الأولى ، لما فيها من الخلود والعمق ، حيث يقول ربنا سبحانه : وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى « 1 » إلا أن الحياة الدنيا تتسم بأهمية الحضور الفعلي ، وبأنها تمهيد للآخرة ، فهي بمثابة المرزعة ، وتلك بمثابة الحصاد ؛ بل إن الحياة الثانية ليست سوى امتدداً للأولى . فأيّ مذهب يتجاهل الحياة
هامش
( 1 ) - الأعلى / 17 .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 71 | السيد محمد تقي المدرسي