ذاته من أجل النظام ، وإذا كان تقبل النظام طواعية قيمة أساسية ، فلماذا مُنِح البشر حرية اتخاذ قرار التقبل أو عدم التقبل ؟
بلى ؛ البصائر الاسلامية تبلور فكرة التقوى ؛ ألف : عبر بيان سلسلة من الروادع والمرغبات . باء : كما تعتبر حرية الفرد أساساً لوجوده ، وتجعل التوبة بعد الذنب أهم حكمة . وهذا ما رفضته المدرسة الرواقية ، التي زعمت أن الفضيلة لا تتجزاً ، وأن الحكيم هو الذي يلتزم بكل أبعاد الفضيلة ، وأن الجزئيات لا أهمية لها « 1 » .
رابعاً : أما فكرة الاخوة فهي لا ريب أعظم انجاز للمدرسة الرواقية ، إلا أنها قد تتعارض مع فكرتهم عن الاعتزال والترفع ، كما سبق . .
خامساً : وفكرتهم عن العبادات - بالرغم من صحتها عموماً - تتنافى ونظرتهم عن المخلوقات ، فإذا كان الخالق والمخلوق واحداً فلماذا العبادة ؟ ومن يعبد من ؟
سادساً : إن تأكيدهم على زيف الخيرات الأرضية تتنافى مع الجانب البشري ، الذي اعترفوا به . فالإنسان يعيش - بالتالي - فوق الأرض ، ولا بد ان يتعامل مع ما يجري في الأرض من عوامل ، وقد أوضحنا أن قمية المصالح الأرضية ( المادية ) يجب ألّا تُنسى ، بالرغم من أن قمية التطلّعات الروحية أعظم .
4 / نقد الأفلاطونية الجديدة
في القرن ( 250 / ق . م . ) مزج افلوطين الإسكندراني ، أفكار أفلاطون بالفيثاغورية الجديدة مع تصوّف الشرق ، وصنع منها فلسفة طريفة كان لها أكبر الأثر في بعض المذاهب المسيحية ، ثم في بعض المذاهب الفلسفية عند المسلمين ؛ بل وفي بعض الفرق الاسلامية .
وقيم هذه الفلسفة الجديدة هي التالية :
ترى هذه الفلسفة أن أصل كل شيء هو الواحد ، وهو الالهيفي كماله وتعاليه ، وهو الخير المطلق ، ولكنه ينطوي على ميل ( واندفاع ) نحو الخلاقية والفيض والاشعاع التلقائي المستمر ، وبالتالي إلى التكرر في الأرواح الجزئية بصورة لا نهائية ، وهذه الأرواح الجزئية هم الكائنات التي تحتفظ كل واحدة منها ببعض ذلك الواحد والكائن المطلق . ومن هنا فان القيمة الأساسية تتمثل في عودة الأجزاء ( الكائنات ) إلى الكل « 2 » .
هامش
( 1 ) - المسألة الفلسفية ، د . محمد عبد الرحمن مرحب ( سلسلة زدني علماً ) ، ص 45 .
( 2 ) - راجع المصدر ، ص 46 ؛ وأيضاً كتابنا العرفان الاسلامي ؛ عن نظرية الفيض .