يعرف - بفطرته - إن الاعتراف بالشيء اعتراف بحقه ، ولكنه اليوم ينكر هذا التلازم ويقول : من قال إن القيمة تنبع من وجود الأشياء ، ومن قال إن الاعتراف بالشيء يورث التزاماً ؟ كلا إنما القيمة نفسك ولا غير .
ويبدو إن التطور الطبيعي للفكر المادي يقودنا إلى الوجودية الملحدة التي تبلورت عند ( هايديغر وسارتر ) وزعمت أن أصل القيم " انا " وجودك ووجودي ( نفسك ونفسي ) . وهذا تطور طبيعي لعملية القلب التي قام بها " كانت " حيث أراد أن يجعل النفس مصدر القيم - كما فعل غاليلو حيث جعل الشمس محور الوجود - من هنا رأى " روبر " ان الوجودية ، مفهوم كانتي جداً من حيث " صورتيه " فالموجود هو المصدر الوحيد للقيم ، وهو ما يماثل عند " كانت " الإرادة الحسنة « 1 » .
وهذا هو مأزق المادية ، إذ حسب سارتر ، لا شيء ، لا شيء يبرّرني لو تبنيت هذه الفكرة أو تلك « 2 » .
إذاً لماذا الاعتراف بوجود الآخرين ، وما هي صفة الالزام في البناء الاجتماعي والأخلاقي ؟
فإذا ألغينا الآخر فلماذا الأخلاق ، وإذا اعترفنا به فما الفرق بينه وبين غيره من سائر الكائنات ؟
كيف ولماذا ندرس فلسفة الأخلاق ؟
إنما نهدف من خلال دراسة فلسفة الأخلاق ( في المذاهب الفلسفية الكبرى ) معرفة هدف الحياة الأسمى والقيمة الأساسية فيها . وتتخذ هذه الدراسة أهمية كبرى ، لأن إنكار الماديين العقل والروح والأخلاق العلوية ، أدخل الفكر البشري في مآزق ؛ فمن جهة لا يمكنه أن ينكر الحقائق القائمة فيما وراء الذات ، لأنه آنئذ يقع في المشكلة التي هرب منها ، لأنه في الأساس يريد أن يفلسف الأخلاق بصورة أو بأخرى ولكنه - من جهة ثانية - لا يمكنه أن يبررها لأنه جعل القيمة في الذات . وبتعبير أوضح ؛ الفكر المادي إذا أنكر الحقائق وراء الذات تجرد من
هامش
( 1 ) 1 - انظر المذاهب الأخلاقية ، ص 128 .
( 2 ) 2 - المصدر ، ص 129 .