تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
إن هذه النظريات تجعل الذات محور وجود العالم . أما الآخرون فيصبح وجودهم ثانوياً ، إنما يبرر وجودهم من خلال وجود " أنا " لأنهم ينفعونه ، أو لأنه من دونهم لا يجد " أنا " من يؤنسه ، وهكذا . وهذا التبرير - حتى لو كان مقنعاً - يجعل الإنسان يفضل مصالحه الذاتية على مصالح الآخرين . ويرى ان وجوده هو الأولى ، فيصبح التناقض والصراع سمة العالم بينما الأخلاق بحاجة إلى قوة كبيرة لتبريرها . وقد سعى الأنبياء والأوصياء عليهم السلام من اجل تطهير النفس البشرية من الأنانية ، ودفعها إلى مستوى العيش مع الآخرين . وكانت نتيجة ذلك كله ان تربّت البشرية على قيم الخير ( وتحولت إلى أعراف وقواعد قانونية ومناهجتربوية ) . ولكن الفكر المادي جاء يوجه تيار الثقافة إلى الجهة المعاكسة تماماً ، فهل لأنهم بعد أن اشْبِعوا بتلك القيم لم يعودوا يحسون بالحاجة إلى الدين الذي كرّسها في نفوسهم ( كما يزعم البعض ) « 1 » ؟ أو لأن إمكانات العلم والتقنية الحديثة أطلقت شهوات البشر من عقالها الديني وجاء الفلاسفة يبرورن ذلك الانفلات ( لأنهم كانوا عادة يمثلون روح مجتمعاتهم والوجهة العامة فيها ) ؟ أو لأن الصراع بين الدين والعلم الذي سببه جمود الكنيسة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر انعكس على التيار العام للفلاسفة بحيث لم يعد الفيلسوف حكيماً إلا إذا تجرد عن الدين ( كما كان الامر بعكس ذلك في القرون الوسطى تماماً ) ؟ وانّى كان السبب فإن فلاسفة القرنين الأخيرين ، ساروا في الاتجاه المعاكس تماماً لحركة الأنبياء عليهم السلام . وكانت النتيجة انهم حبّذوا الكفر على الايمان ، كيف ؟ جوهر الكفر هو إنكار الشيء بما له من أبعاد وظلال وحقوق ، بينما الايمان اعتراف به . واتجاه العلم الذي يجعل القيمة ذات الإنسان يكفر - في البدأ لا أقل - بكل شيء وراء الذات . وفي الواقع إنما ينكر الإنسان شيئاً لكي ينكر حقه عليه ويتخلّص - بالتالي - من أي التزام نحوه ، والفكر المادي سابقاً كان ينكر وجود الشيء لكي لا يلتزم تجاهه بحق . لأن الإنسان كان
هامش
( 1 ) - يراجع فلسفة الأخلاق في البحوث الأخيرة .