ألّا يشرك هذا المبدأ في منطقه اضطر إلى اختلاق هذا المنطق الجدلي لحل مشاكله ، ونتساءل هل لهذا المنطق الجدلي من البرهان ما ليس لمبدأ الخير المطلق حتى يكون هذا دليلًا على ذلك ؟ كلا .
ثانياً : هذه الجدلية لا تعترف وبصورة حاسمة بحق لأيّ شيء سوى الإنسان ، ( حقوق الحيوان مثلًا ) ولكن ذات الطباق الجدلي الذي أثبت به قيمة الإرادة المطلقة ( بعد الإرادة الكلية ) يمكن اجراؤه لاثبات حقوق سائر الكائنات ، صحيح انها لا تملك إرادة وبذلك لا تستحق حقاً ، ولكنها تملك وجوداً وللوجود حقوق بقدره حسب وجداننا الذي به اعتقدنا بالحق لصاحب الإرادة .
وبتعبير آخر : لماذا آمنا بحق صاحب الإرادة ؟ أليس بالوجدان ، فكيف نطق الوجدان لحظة ثم سكت ؟ ألا يمكن إستنطاقه ؟ وكيف ان مجموعة من القواعد المترتبة على ذلك الوجدان حجة ولكن ليس ذات الوجدان حجة ، ومَثَلُ هؤلاء ، مثل من استنبط ماء ثم اجراه عبر سواقي في مزرعة ، فلما نقص الماء اخذ يرشّ على سائر الأرض منه رذاذاً ، فقيل له ألا تستنبط الماء من بئر جديدة ؟ فقال : لا إنما الماء فقط هو الذي ينبع من البئر الأولى . كلا الماء هو الماء ، والبئر هي البئر ، والقدرة على استنباط الماء موجودة دائماً ، فلا داعي لذلك النبع والاكتفاء برذاذ الماء بل في بعض الأحيان بخيال الماء ، أليس كذلك ؟
ثالثاً : النظرية المادية تبدأ من محيط ضيق ولكنها لا تلبث أن تتوسع بطريقة غير منتظمة ، ولا مبررّة ، فتقع في تناقضات كثيرة ، وعادة تتوسل ببعض التعميمات غير المبررة لحل الاشكالية ، بينما النظرة الاسلامية ( الإلهية ) تبدأ بالايمان والاعتراف بكل الحقيقة ، وتجعل للحقيقة اطاراً كبيراً وواسعاً ( الروح ، العقل زائد العاطفة ، الإنسان زائد الكائنات ) . فلا تناقض ولا صراع ولا محاولات حل لهما .
والمشكلة الكبرى عند هذه المذاهب عدم قدرتها على ايجاد أساس متين للأخلاق ، ولحقوق الإنسان ، بل حقوق سائر الكائنات ( الاحياء أو الأشياء ) .
فعلى " نظرية الاهتمام " ، عند بيري ، ونظرية " الإرادة الحرة " عند هيجل ونظرية " أنا " الوجودية ما هو أساس الأخلاق والاعتراف باهتمامات الآخرين وبإراداتهم وبوجوداتهم ؟
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 61
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦١