الخليقة لقوم يعلمون ، كما فصلت لهم آيات القرآن ( مثلًا ان الله لم يحرم زينته لعباده ، وان العلاقة مع المشركين انما تتحول إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) . وكذلك فصلت آيات القرآن لقوم يذكرون ( فأحد أركان العلم التذكر ) ، ولقوم يفقهون ( الفقه درجة من درجات العلم ) ، ولقوم يتفكرون ( والتفكر من دعائم المعرفة ) .
وكما الفصل كذلك البيان ( وهو - فيما يبدو - إبانة الحق وفصله عن الباطل ) ، فان الله تعالى يبين الآيات للناس لعلهم يتفكرون ولعلهم يعقلون . ( فالتفكر كما العقل والهدى واليقين والتقوى والرجوع إلى الله تعالى ، كل ذلك من أهداف البيان في القرآن حسب الآيات ) ، ومن يعقل ينتفع بالبيان ، بل البيان جاء لقوم يعقلون ولقوم يوقنون .
ونستفيد من كل ذلك بصيرتين :
الأولى / إن فصل الحق عن الباطل ( والحلال عن الحرام ، والهدى عن الضلال ، وهكذا . . ) هدف من أهداف الكتاب .
الثانية / علينا أيضاً أن نجتهد في سبيل تحقيق هذا الهدف بالتفكر والتذكر ، لأن الذين يتذكرون ويتفكرون ويفقهون ويعقلون ويعلمون ( وبالتالي يستفيدون من مواهب الله تعالى لهم من أسباب الوعي والفهم ) هم الذين يتلقون تفصيل القرآن وبيانه . ( فالقرآن إثارة للعقل ، ووسيلة للتذكر والتفكر ، وبيان لمن يعلم ويفقه ، وبالتالي سبيل لسعي الانسان ، ونور لحركته ) .
والقرآن تفصيل الكتاب ، والله أنزل الكتاب مفصلًا وفيه تفصيل كل شيء ، وكل شيء فصله الله تفصيلًا ( ولذلك فهو ) لا ريب فيه ، وما كان أن يفترى من دون الله .
وبالتدبر في هذه الحقيقة نتبصر بأن علينا أن نستنطق القرآن ، وأن نستبين به الحقائق ، ونجلي به قلوبنا من الغل واصر الحميات وأغلال الجاهلية ، فإذا زكت القلوب ، وتفتحت البصائر ، واستثار العقل ، وزهر مصباح العقل عرف البشر تفصيل كل شيء من الكتاب بتوفيق الله تعالى .
وقد أمر الله بالتبين في الأمر العسكري ( وفي كل أمر ) ، وألا يقفو ما ليس به علم ، ويعي مسؤولية جوارحه ( كل ذلك من أجل أن يحس البشر بالحاجة إلى العلم ، وأنه من أشد ضرورات حياته ، ومن أهم مسؤولياته ) .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٠