تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وإنما ذكر الوحي بالآيات لقوم يعقلون ، فهم ينتفعون بآية الشمس ويهتدون بها إلى ربهم ، وبآية الدورة الحياتية للنبات وما أسبغ الله بها على الانسان من نعم ، وإذا مروا بآية في الأرض مثل آثار القرى الظالمة التي دمرت اعتبروا بها أو إذا ركبوا البحار وسارت بهم السفن في أمواجها تذكروا ربهم - قدرته ورحمته - ، وإذا نظروا إلى آفاق السماوات وشاهدوا حركة الأفلاك استوعبوا حكمة الخلقة وأسرارها . وقلب العاقل كما زيت صاف يتقد عندما يمسه نور الوحي ، وأول ما يتذكر به التفكر في أطوار خلقه منذ أن كان نطفة في قرار مكين حتى أصبح شيخاً كبيراً ، وبلغ أجله المسمى ، وعرف أن تطورات حياته آية عبوديته لربه . ثم ينظر إلى آيات الله في الأرض كيف يحييها الله من بعد موتها ، فيتقد مصباح عقله بتذكرة الوحي . وحقائق الايمان هي محور تذكرة الوحي ، ووعي العقل . فالتوحيد يذكر به القرآن ؛ مثل : هل أنت ومن تملكه سواء فيما أعطاك الرب ؟ فكيف يكون الله الخالق ومن خلقه سواءاً في تدبير الكائنات ؟ والرسالة يستوعبها العقل من خلال تذكرة الوحي بأن الرسول لم ينطق خلال عمره السابق بالقرآن ، وأنه لا يطالبهم بأجر فكيف لا يكون رسولًا ؟ والايمان بالآخرة يعقله المرء من خلال تأمله في الدنيا التي ليست هي إلّا لهو ولعب ، فكيف تكون هي الغاية ؟ وهكذا يثير الوحي ذخائر العقل حتى يشهد الحقائق الايمانية شهود عيان . ولله في خلقه سنن جارية يعرفها العقل بالنظر في تاريخ الغابرين ، وإنما يذكر الوحي عقل البشر بما مضى من تاريخهم ، ويذكر القرآن بقصة الذين أضلهم الشيطان ويحذرهم من عبادته ، وينبه العقول بمدى عداوته للانسان . إنما أصول الشريعة مرتكزات عقلية ، والوحي يستنطق البشر فيها ، فكلما بَيَّنَ حكمة أو أمر بوصية نبه الانسان إلى عقله . فقد حذر الوحي عن الشرك ، وقتل الأولاد ، والفواحش ، وقتل النفس التي حرم الله ، كما أمر ببر الوالدين ، ثم ختمه بقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( الانعام / 151 ) . وأمر الله بجملة وصايا فيما يتصل بالعلاقات الأسرية والاجتماعية ، ثم ختم الكلام بقوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الايَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( النور / 61 ) . وهكذا كان من حكم الوحي تنمية العقل . والتقوى ميراث العقل ، وأمر الرب تعالى بها أولي الألباب ، لأنهم يعقلون . ومن هنا كانت حسرة أهل النار أنهم ما كانوا يعقلون ، وكان الجهل سبب ضلالة الكفار بسبب اتباعهم الآباء ، وكان الرجس ( واللعنة ) من نصيب الذين لا يعقلون .