تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وقد أعطى الله الانسان بصيرة بنفسه لتكون حجة عليه ، حيث يميز بين الأعذار الباطلة والصحيحة التي يلقيها . ومن أعظم فوائد البصيرة الإلهية هذه ، قدرة التمييز بين الدين الفطري الذي يدعو إلى الله والقيم الحق ، وبين الدين المصطنع الذي يختلقه البعض ليخدم أهدافه ومصالحه . وهكذا فإن من يفعل ذلك يعلم أنه إنما يتبع باطلًا وليس دين الله الحق .

الاستبشار بآيات الله

من علامات حب المؤمن لله ولكتابه المبين وعطشه إلى زيادة اليقين ، أنه يستبشر بالقرآن ، وتلك قيمة إيمانية ، الفرح بما آتاه الله من نعم . الكافر والمنافق يخشى أن تنزل سورة أو آية تخالف مصالحه وأهواءه ، فهو لا يفرح بنعمة الوحي ، أما المؤمن فقد تجاوز ذاته ، وبلغ درجة كافية من التسليم للحق يجعله يفرح بكل ما ينزل من عند ربه .

التعقل

تحمل آيات الذكر من يشاء إلى آفاق الحقائق حتى يشاهدها ، ويشعر ببرد اليقين بها في قلبه . وهكذا حين تذكرنا الآيات بالعقل تصفه بعلاماته ، وصفات من يعقل أولا يعقل ، حتى يكتشف العقل نفسه ، إذ النور يدل على ذاته بذاته بعد تذكرة الوحي به ، وذلك لمن يشاء أن يَذَّكَّر دون أن يماري في الحقيقة . فالعاقل الذي يستمع القول فيتبع أحسنه ، بينما غير العاقل الذي لا يستمع بل لا يسمع وكأنه الصم البكم ، وإذا دعي إلى الحق اتخذه هزواً ، وتراه يردد ما يقوله الآخرون دون انتخاب أحسنه ، ويقتحم فيما يهلكه ، وينكر ما يعرفه العقلاء ، ولا يضع الناس مواضعهم ، ولا يحترم قيادته الإلهية ، ولا يعرف صديقه من عدوه ، فترى بأسه شديد ضد جماعته ، ويتلو الكتاب ويأمر به ثم يخالفه إلى غيره ، ويختلق ديناً ثم يفتريه على ربه ، ويعبد من دون الله مالا ينفعه ولا يضره . والعاقل يتذكر ويعلم إنما أنزل من الوحي هو من عند الله تعالى ويوفي بالميثاق ، ويدرء بالحسنة السيئة ، ويعرف قيمة الحكمة الإلهية ، ويتذكر بها ، ويسلم لما نزل من الوحي محكمه ومتشابهه ، ويعرف قيمة العلم والعلماء ، ويعرف قيمة الكتاب وأهله ، فتراه يتذكر بآيات القرآن بعد التدبر فيها . أما الذين لا يعقلون فإنهم شر الدواب ، لأنهم يقولون سمعنا وهم لا يسمعون ، ويتخذون أهواءهم آلهتهم ، فهم كالانعام وأضل سبيلًا ، ويعترفون بأن الله هو الذي أنزل من السماء ماءً وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، ثم يكفرون ، وترى بعضهم يسمع كلام الله ثم يحرفه .