تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
ويضرب الله الأمثال للذكرى ، وينبه البشر إلى مدى التمايز بين الأعمى والأصم ، وبين البصير والسميع ( مثلا ) كما يذكره بما ذرء في الأرض ، واختلاف ألوانه ، وأنه له ما في السماوات والأرض ( فهو الحاكم فيهما ) ، وأنه قدر الموت بين البشر ، وأنه قادر على أن يبدل أمثالهم ، وأنه وسع كل شيء علماً ، وأنه لا شفيع إلا من بعد إذنه فلابد أن تخلص العبادة له ، وانه لا يجير منه أحد ، وأنه الهادي لا هادي سواه ، كل تلك الإثارات تذكرة وأن عمر البشر في الدنيا يكفيه فرصة للتذكرة ، وأنه يأتيه النذير . وكما حقيقة التوحيد ( وجملة المعارف الإلهية ) كذلك أصول الشريعة مودعة في فطرة البشر وعقله ، فمن عرف الله بأسمائه الحسنى عرف تلك الأصول ، وأن الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وألّا يقرب أحد مال اليتيم إلّا باللتي هي أحسن ، كما يأمر بالقسط في المكيال والميزان ، والعدل في القول ، والوفاء بالعهد ، وهكذا سائر بصائر الكتاب وآياته وبيناته ذكرى لمن تذكر . وأولوا الألباب هم الذين يستفيدون من التذكرة ، لأنهم يثيرون كوامن عقولهم بآيات الله ، ولذلك فان التفكر هو مفتاح التذكر . وللتذكرة شروط أهمها توفيق الله والتقوى ، وخشية الله ، وأن تكون للانسان أذن واعية فيريد التذكرة بها ، وألا تكون لديه مواقف مسبقة من التذكرة ، وأن يكون مستعداً للشهادة على الحق . والمذكر يختار الذين يخافون وعيد الله لابلاغهم ، ويترك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا . وعاقبة الذين ينسون ما ذكروا به الاستدراج ، ثم يأخذهم الله بغتة فإذا هم مبلسون .

التفكر

بالتفكر يثير الانسان ركائزه العقلية ، ويقلب خزائن معلوماته ، ويكمل بعضها ببعض ، وكل آيات الله في خلقه تستدعي التفكر لنطل على الغيب من نافذة الشهود . وقد أوصانا ربنا بالتفكر في خلق السماوات والأرض وما فيها من آيات الصنع والتقدير ، لنعرف ربنا وأسماءه الحسنى ، وأنه ما خلق الخلق باطلا ، وأنه لن يتركهم سدى ، ولنعرف عظيم نعمه علينا ؛ كيف سخر لنا ما في الأرض ، وكيف أوحى إلى النحل يسقينا من بطونها شرابا فيه شفاء ، وكيف جعل من أزواجنا سكنا لنا ، وكيف قدر بين النوم والموت . . وأمرنا بأن نتفكر في الرسول ، وأنه لن يكون إلا نذيراً ، ونتفكر في آيات الكتاب ، وأنها لو نزلت على الجبال لتصدعت .