ومن آفاق الفتنة ابتلاء الناس ببعضهم ، فلما اختار الرب رسله من الناس أنفسهم ، فتنهم بالتسليم لهم . أليس التسليم لبشر مثلهم أشد صعوبة ؟ ثم جعلهم كسائر الناس يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، ( ليكون أبلغ في الفتنة ) .
وفتن المؤمنين بالظالمين كما بالكافرين ، وكان من دعاء المؤمنين ألّا يجعلهم فتنة لهؤلاء أو أولئك . والأموال والأولاد فتنة كما الأزواج ، ومن الناس من يفتتن بالحرمان من الأولاد . والرخاء فتنة ( وحتى الأمن ) والحكم الصالح فتنة ( كما يبدو ) ، والسلطة - وبالذات القضاء بين الناس - فتنة لأهلها . ووساوس النفس وتسولاتها وأمنياتها فتنة ، كما تغرير الشيطان . وخشية الكفار فتنة ، كما ارهابهم وسلطة الطغاة فتنة ، وعلى المسلمين الجهاد حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين لله . والرسل يتعرضون لفتنة الناس ( من خلال الضغط حتى يغيروا بعض الدين ) ، والله تعالى يثبت أنبياءه ( عليهم السلام ) من فتنتهم ، ولقد حذر الله نبيه من الاستجابة لتلك الفتنة . والمؤمنون يتحدون فتن الأعداء بالهجرة والجهاد والصبر .
ومن أجل مقاومة فتنة الارهاب ، يجب على المؤمن أن لا يجعل عذاب الله كفتنة الناس . ( وليعلم أن عذاب الله أشد وأبقى ) ، فليصبر على هذه الفتنة لمواجهة تلك الفتنة .
والفتن المضلة هي التي يأفكها شياطين الإنس والجن بين الحين والآخر ، مثل العجل الذي ابتدعه السامري ، ولقد حذر النبي هارون عليه السلام من تلك الفتنة بني إسرائيل ؛ وكذلك إشاعة وفاة النبي بعد الهزيمة التي مني المسلمون بها في أحد ، كانت فتنة .
وكان المنافقون يستأذنون الرسول في الانصراف عن المعركة ، ويسألونه ألّا يفتنهم ، في الوقت الذي كان فرارهم من المعركة بذاته فتنة سقطوا فيها . ومكر ثمود بالنبي صالح كان فتنة ، حيث تقاسموا على قتله .
ومن الفتن اتباع ما تشابه من الآيات لخداع الذات ، ولتأويل الآيات المتشابهة ( لخدمة أهدافهم ) . وفي يوم القيامة يحلف الكفار أنهم لم يكونوا مشركين ، ( وهذا نوع من فتنة الذات فيما يبدو ) . ويبحث المنافقون عن الفتنة أنى وجدوها سقطوا فيها ، ( لأن نفوسهم مريضة ) .
ولما اختار النبي موسى عليه السلام من قومه سبعين رجلا لميقات الله ثم أخذتهم الرجفة ، بيّن النبي أن ذلك فتنة لأولئك القوم ( حيث عرضهم لوضع ابتلى به ما في دخيلة نفوسهم ) . ولما أنبأ الله تعالى عن عدة ملائكة العذاب أنهم تسعة عشر قال : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا . ومن ذلك ما يلقيه
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 152
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٢